الخميس، 13 يناير 2011

هذا المحتل الوطني! – فهمي هويدي

الوضع في تونس قارب مرحلة الخطر. فمظاهرات الغاضبين دخلت أسبوعها الثالث والحريق يزداد اشتعالا في أنحاء البلاد، والسلطة اضطرت لاستخدام الجيش لأول مرة بعد فشل الشرطة، في محاولة بائسة لاحتواء الغضب وقمع المتظاهرين

ــ ثم إن ميليشيات النظام وقناصته وجهوا نيران أسلحتهم صوب المتظاهرين، الذين قتلوا 53 منهم يوم الأحد الماضي 9/1.
وحسب رواية شهود عيان فإن قناصة الميليشيات اعتلوا المباني السكنية لاصطياد قادة المظاهرات في بعض المدن.
إلى جانب ذلك فالأنباء تتحدث عن حملة اعتقالات واسعة بين النقابيين والمواطنين المتظاهرين. في حين تروج المواقع الإلكترونية لحملة طالت الرئيس زين العابدين بن على وزوجته وأفراد عائلتها. وتنسب إليهم قائمة طويلة من الاتهامات المتعلقة باستغلال النفوذ ونهب موارد الدولة.

وتدلل تلك المواقع على أن أحد أفراد أسرة الزوجة كان يعمل جزارا يوما ما، وأصبح الآن من أثرى أثرياء تونس، ويملك أسطولا من الطائرات. إلى غير ذلك من المعلومات التي يصعب التثبت من دقتها، لكنها أصبحت تعني شيئا واحدا هو أن الجماهير التونسية كسرت حاجز الخوف، ولم تعد تتردد في الجهر بصيحات الاحتجاج ونداءات التنديد بممارسات السلطة التي اتسمت بجرأة غير معهودة بين الشباب التونسي، الذي ظل طوال السنوات التي خلت يختزن المرارة والحزن توقيا لعصا النظام الغليظة ويده الباطشة.
لقد انفجر بركان الغضب في منتصف شهر ديسمبر الماضي في سيدي بوزيد، بعدما أحرق شاب نفسه احتجاجا على مصادرة عربة خضار يملكها، الأمر الذي أطلق غضب الجموع التي هدها الفقر.

وكان الظن أن الانتفاضة لن تستمر لأكثر من يومين أو ثلاثة، قياسا على المرات السابقة، التي كانت قوات الأمن المدربة تسارع فيها إلى سحق الغضب واحتوائه. لكن المفاجأة أن شرارة الغضب انتقلت من ولاية إلى أخرى.
وأن جذوتها ظلت متقدة للأسبوع الثالث على التوالي. خصوصا في ولايات الوسط التي عانت من وطأة الفقر وشدة البطالة. وكانت مدينتا تالة والقصرين أحدث مسرحين للتظاهرات والاشتباكات مع الشرطة. وقد وصف شهود العيان تلك الاشتباكات بأنها «عنيفة»،

وذكروا أن المتظاهرين أحرقوا مقر إدارة التجهيز الرسمية، وأن الشرطة استعملت خراطيم المياه والقنابل المسيلة للدموع، قبل أن تطلق النار بعد ذلك على المحتجين. وأضاف هؤلاء أنهم رأوا عربات الجيش تدخل المدينة في مسعى للسيطرة عليها وإعادة الهدوء إلى أرجائها.
ما حدث في تالة تكرر في مدينة الرقاب، التي سارعت فيها الشرطة إلى إطلاق النار على المحتجين فقتلت منهم ثلاثة. وقد تصاعدت الاشتباكات حين ردد المتظاهرون هتافات مناهضة للحكومة ومنددة بالرئيس بن على.
كما هي العادة فإن البيانات الرسمية، التي اعترفت بالصراعات العنيفة، ذكرت أن الشرطة لم تلجأ إلى استخدام السلاح إلا بعد أن قامت بإطلاق أعيرة تحذيرية «في إطار الدفاع المشروع عن النفس»، وبعد أن تعرضت لهجمات من جانب أفراد استخدموا العبوات الحارقة والعصي والحجارة.

كما ادعت تلك البيانات أن مجموعات من المتظاهرين أقدمت على تخريب ونهب وحرق مؤسسات مصرفية ومركز للأمن ومحطة وقود. بما يعني أن الشرطة «البريئة» لم تطلق النار إلا من قبيل الدفاع أمام «العدوان»، الذي تعرضت له من قبل الجماهير الغاضبة.
المعارضة في الخارج اتهمت الحكومة باتباع سياسة القمع وحماية الفساد ودعت الجيش والشرطة إلى عدم إطلاق النار على «إخوانهم» المواطنين المتظاهرين،
في حين أن المعارضة في الداخل طالبت الرئيس بن على بوقف إطلاق النار حفاظا على أرواح المواطنين وأمنهم، واحتراما لحقهم في التظاهر السلمي.

أما الرئيس بن على فإنه حذر من أن أعمال الشغب تضر بصورة البلاد وسمعتها لدى السياح والمستثمرين، وتوعد من وصفهم بأقلية المتطرفين الذين خرجوا في مختلف المدن بالعقاب الحازم.

حين تطلق السلطة النار على جماهيرها يكون النظام قد أدرك أنه يخوض معركته الأخيرة.
وحين تتواصل مظاهرات الغضب لأكثر من ثلاثة أسابيع فمعناه أن المجتمع فاض به الكيل وأنه لم يعد يتوقع خيرا من النظام القائم ويتوق إلى بديل عنه.
وحين تنتقل مظاهر الغضب من مدينة إلى أخرى فمعناه أن البلد كله يواجه أزمة وليس فئة بذاتها.
ما الذي يمكن أن يحدث؟
في النظم المستبدة التي يتم فيها احتكار السلطة وتظل شرعية النظام مستندة إلى قبضة الأمن وليس إلى رضا الناس، فإن المستقبل يبدو معتما وتظل البدائل في علم الغيب،
ومن ثم تصبح كل الخيارات مطروحة باستثناء خيار واحد هو: الانتقال السلمي للسلطة.

يسري ذلك على تونس كما يسرى على غيرها من الدول، التي تعاني قبضة المحتل الوطني، الذي تبين أنه أسوأ من المحتل الأجنبي.
وليس هذا كلامي، لكنه رأى سمعته على لسان عجوز تونسي من سكان سيدي بوزيد كان يترحم عبر إحدى الإذاعات على زمن الاستعمار الفرنسي.
...............................

الأربعاء، 12 يناير 2011

شهادات مصرية للإخوان المسلمين (3)


إحدي الأخوات قد وضعت مولدها حديثا منذ حوالي شهر و ذهبت تلك الأخت في صباح يوم الانتخابات إلي اللجنة المكلفة بالعمل بها و هي تحمل طفلها البالغ من العمر شهرا واحدا و ظلت الأخت طوال اليوم و هي تقوم بدورها في توزيع الدعاية و إرشاد الناخبات و غيره من الأعمال بيد واحدة و طفلها الرضيع محمولا علي اليد الثانية ... و كل فترة تدخل به في إحدي الغرف أو الأماكن الخالية لترضع طفلها إذا بكي ... حتي إذا قارب اليوم علي الانتهاء اقترب منها أحد أنصار الحزب الوطني و قال لها بانفعال واضح : ما تحاوليش تفهميني إنك مش قابضة فلوس كويسة مقابل وقفتك دي طول النهار و انت شايلة ابنك كده ....!!!!! ؟؟؟

شهادات مصرية للإخوان المسلمين (2)


أحد الإخوة الأطباء يعمل في مستشفى و لديه مجموعة من الزملاء الأطباء المسيحيين و كان بينه و بينهم زمالة و علاقة جيدة ... و كان دائم النقاش معهم حول العلاقة بين المسلمين و المسيحيين و مواقف الإخوان و الأوضاع السياسية و أحوال البلد و خلافة ... و في موسم الانتخابات كانت تدور بينهم نقاشات عديدة قد تصل إلي الحدة أحيانا خاصة بعد تزوير الانتخابات لإبعاد الإخوان و كل فصائل المعارضة فقام أحد زملاءه من المسيحيين – و كان يغلب عليه التعصب – بإظهار فرحه الشديد بقيام الحكومة بتزوير الانتخابات طالما أن هذا هو السبيل الوحيد لإبعاد الإخوان و دار بينهما نقاش جدلي طويل حول ما حدث و انتهي النقاش إلي لا شئ... و بعد حوالي الساعة من هذا الموقف جاء هذا الزميل المسيحي إلي الأخ الطبيب و هو يعطيه مبلغ 2000 جنيه في مظروف و يقول له يا دكتور فلان أنا داخل في جمعية مع فلان و فلان و سوف يأتون بعد غد و أنا غير موجود و بصراحة و بغض النظر عن أي شيء لن أجد أحد آمنه علي الفلوس غيرك !!!   فأخذ الأخ المبلغ و أوصل الأمانة...

الثلاثاء، 11 يناير 2011

د.العوا: ليست فتنة إنما أيد صهيونية (استمع) - دين ودعوة - صوت وصورة - أون إسلام.نت

المواطنة في المجتمع الإسلامي (رؤية فقهية)


عصام تليمة
ما من قضية أثارت جدلا في الآونة الأخيرة بين السياسيين والإسلاميين كما أثارت قضية المواطنة، وبخاصة حقوق غير المسلم، ومدى تمتعه بحقوق المواطنة متساويا بذلك مع المسلم، وبخاصة أنه لم يرد توضيح في تصورات الإسلاميين للدولة، ودور غير المسلم فيها، وتوليه من المناصب كما يتولى المسلم.
ورأينا القضية تاهت بين طرفي نقيض، بين من لا يعرف رأي الإسلام الصحيح في المسألة، ولا آراء علماء الإسلام في المسألة، وبين من فهموا الإسلام فهما خاصا، بناء على استدعاء لآراء تمثل زمانا بعينه، لتسقط على زمان آخر، اختلفت فيه النظريات السياسية، واختلفت فيه الأزمنة والأمكنة، ولم تعد فيه الدولة كما كانت قديما بتصورها البدائي البسيط.
مبادئ وأصول في التعامل مع المواطنة
وأود أن نضع أصولا نحتكم إليها في بحثنا، وفي تناولنا لقضية المواطنة، وهي ثوابت نحتكم إليها عند الاختصام، والتناول والطرح، وهي:
أولا: تحكيم نصوص الشريعة الواردة في الكتاب والسنة الصحيحة: فما جاء في هذه الأصول فالعمل به واجب، وما وافقها فالعمل به صحيح، وما خالفها مما ليس منها فهو على أصحابه رد، والعمل به اجتهاد بشري، لصاحبه - إن كان مجتهدا، أو مؤهلا للاجتهاد – أجره، وعليه – إن لم يكن كذلك – إثمه ووزره.
ثانيا: قبول ما تقتضيه المشاركة في الدار، أو الوطن بتعبيرنا العصري، فكل ما حقق مصالح المشتركين معا فيه جاز، وكل ما أهدرها فهو بالإهدار أولى وأحق. وقد قَعَّد هذه القاعدة الأصوليون والفقهاء حين قرروا:
أن الشريعة مبنية عموما على جلب المصالح، ودرء المفاسد، وأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وأن كل تصرف تقاعد عن تحصيل مقصوده به فهو باطل[1]. ولا يبعد من يقول: إن هذه القواعد محل اتفاق الفقهاء على اختلاف مذاهبهم، وتنوع منازعهم في الاجتهاد والفتيا والاستنباط.
ثالثا: إعمال روح الأخوة الإنسانية بدلا من إهمالها، فكل قول، أو رأي، أو فعل، نافى روح الأخوة، فقد غفل صاحبه عن أصل من أصول الإسلام عظيم، نطق به القرآن الكريم، والسنة الصحيحة، وصدر عنه في أقوالهم وأفعالهم أصحاب رسل الله صلى الله عليه وسلم، والسلف الصالحون، وتبعهم في كل عصر دعاة الإسلام الهادون المهديون، بل وعاش في ظله رعايا دولة الإسلام منذ كانت وإلى يوم الناس هذا: في مدنهم وقراهم، وأفراحهم وأحزانهم، وبيعهم وشرائهم، وأعيادهم ومواسمهم، حتى إنه لولا الاستمساك المحمود للمسلمين وغير المسلمين بشعائر دينهم الظاهرة، ما عرف منهم مسلم إسلامه ولا كتابي بكتابه.[2]
رابعا: الإسلام دين القسط والعدل والحق، فكل رأي نافى القسط الذي أمر به القرآن، أو العدل الذي قامت عليه السماوات والأرض، أو الحق الذي به يحتمي الناس، فهو مردود ومناف لروح الإسلام[3]، ورحم الله ابن القيم حين قال: (الشريعة مبناها وأساسها على الحِكم ومصالح العباد، في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها.
فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة، وإن أُدخلت فيها بالتأويل.
فالشريعة عدل الله بين عباده، ورحمته بين خلقه، وظله في أرضه، وحمته الدالة عليه، وعلى صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم أتم دلالة وأصدقها، وهي نوره الذي به أبصر المبصرون، وهُداه الذي به اهتدى المهتدون، وشفاؤه الذي به دواء كل عليل، وطريقه المستقيم الذي من استقام عليه فقد استقام على سواء السبيل). [4]
خامسا: ما ورد في اجتهادات السابقين من أئمتنا رضوان الله عليهم، وأساتذتنا، مما لم يقم عليه دليل من الكتاب والسنة، وكان اجتهادا نابعا من روح عصره، فلنا أن ننتقي منه، وأن نختلف معه، ولكل أن يجتهد لزمانه وعصره.

وسوف أتناول قضية المواطنة من عدة جهات: الأولى: موقف الإسلام من مبدأ المواطنة، ممثلا في رسوله صلى الله عليه وسلم، خير من طبق الإسلام فهما وعملا، وبوصفه رئيس دول الإسلام. والثانية: التطبيق العملي عبر تاريخ المسلمين للمواطنة وحقوقها مع غير المسلم.
من تثبت له المواطنة؟
لا بد من تناول الفرد الذي يعتبر مواطنا في الدولة الإسلامية، له حقوق المواطنة الكاملة، فكل مسلم يدخل بلاد الإسلام فهو مواطن له حقوق المواطنة، وكل غير مسلم من أهل البلدة المسلمة، فهو مواطن متمتع بجنسية هذه الدولة، وكل غير مسلم ممن ليس من أهل البلاد الإسلامية يأخذ حكم المواطنة ـ أو ما نسميه بمصطلحنا المعاصر: الجنسية أو التجنس ـ  بمجرد مرور عام كامل عليه في بلاد الإسلام، ففي الفترة الأولى من ستة أشهر إلى سنة يعد مستأمنا، فإذا اكتمل عليه عام، أخذت منه ضريبة البقاء، ويعد ذلك تجنسا بجنسية هذه الدولة.[5]
موقف الإسلام من مبدأ المواطنة
جاء الإسلام إلى الحياة فوجد فيها الناس ـ من حيث الدين ـ قسمين: أهل كتاب، ومشركين يعبدون آلهة من دون الله.
وظل الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة ثلاثة عشر عاما يدعو إلى الإسلام، حتى هيأ الله له قيام دولة إسلامية في المدينة المنورة، وهاجر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة، فوجد في المدينة غير مسلمين، سكنوا المدينة من قديم، وهم من أهلها وساكنيها، فمنهم من كان على الشرك، ومنهم من كان من أهل الكتاب وتحديدا اليهود. ومن المعلوم: أن أي دولة لها أركان: من حيث الشعب، والأرض أو الوطن، والدستور، ورئيس الدولة. فالشعب هو كل من سكن المدينة من مسلمين ويهود ومشركين، والوطن: المدينة المنورة، ورئيس الدولة ممثلا في شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم، بقي الدستور الذي سيحكم العلاقة بين المسلمين وغيرهم، فلم يتجه فكر النبي صلى الله عليه وسلم إلى رسم سياسة للإبعاد أو المصادرة والإلغاء، بل قَبِل ـ عن طيب خاطر ـ وجود اليهود والوثنية، وعرض على الفريقين أن يعاهدهم معاهدة النِّد للنِّد، على أن لهم دينهم وله دينه).[6]
وثيقة المدينة مع اليهود
فكانت وثيقة المدينة، أو صحيفة المدينة، والتي أقتبس منها ما ينظم العلاقة بين المسلمين واليهود (حيث إنهم الفئة الوحيدة المخالفة للمسلمين عقيدة من هل الكتاب في المدينة) ولنتأمل النص لنرى أن الرسول صلى الله عليه وسلم اعتمد فيها مبدأ المواطنة، بحيث وضعت فيه الحقوق والواجبات على أساس المواطنة الكاملة التي يتساوى فيها المسلمون مع غيرهم من ساكني المدينة المنورة ومن حولها، ومن هذا الدستور نقرأ هذه المواد التي أمر بكتابتها النبي صلى الله عليه وسلم:
1ـ هذا كتاب من محمد النبي (رسول الله) بين المؤمنين والمسلمين من قريش (وأهل يثرب)، ومن تبعهم فَلحق بهم وجاهد معهم:
2ـ إنهم أمة واحدة من دون الناس.
3ـ وإنه من تبعنا من يهود، فإن له النصر، والأسوة غير مظلومين، ولا متناصر عليهم.
4ـ وإن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم، ومواليهم، وأنفسهم إلا من ظلم نفسه وأَثِم، فإنه لا يوتغ إلا نفسه وأهل بيته.
5ـ وإن ليهود بني النجار مثل ما ليهود بني عوف.
6ـ وإن ليهود بني الحارث مثل ما ليهود بني عوف.
7ـ وإن ليهود بني ساعدة مثل ما ليهود بني عوف.
8ـ وإن ليهود بن جُشَم مثل ما ليهود بني عوف.
9ـ وإن ليهود بني الأوس مثل ما ليهود بني عوف.
10ـ وإن ليهود بني ثعلبة مثل ما ليهود بني عوف إلا من ظلم وأثم، فإنه لا يوتغ إلا نفسه وأهل بيته.
11ـ وإن جفنة بطن من ثعلبة كأنفسهم.
12ـ وإن لبني الشُّطَيبة مثل ما ليهود بني عوف، وإن البر دون الإثم.
13ـ وإن موالي ثعلبة كأنفسهم.
14ـ وإن بطانة يهود كأنفسهم. (بطانة الرجل: أي: خاصته وأهل بيته).
15ـ وإن على اليهود نفقتهم، وعلى المسلمين نفقتهم، وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وإن بينهم النصح والنصيحة، والبر دون الإثم.
16ـ وإنه لا يأثم امرؤ بحليفه، وإن النصر للمظلوم.
17ـ وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين.
18ـ وإن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة.
19ـ وإن الجار كالنفس غير مُضارًّ ولا آثم.
20ـ وإن يهود الأوس، مواليهم وأنفسهم، على مثل ما لأهل هذه الصحيفة مع البر المحض من أهل هذه الصحيفة، وإن البر دون الإثم، لا يكسب كاسبٌ إلا على نفسه، وإن الله على ما أصدق ما في هذه الصحيفة وأبره.
21ـ وإنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم، أو آثم، إنه من خرج آمن، ومن قعد آمن بالمدينة، إلا من ظلم وأثم، وأن الله جار لمن بر واتقى، ومحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.[7]
اعتبرت هذه الوثيقة اليهود ـ وهم أهل كتاب سكنوا المدينة المنورة ـ من مواطني الدولة الإسلامية، وعنصرا من عناصرها؛ ولذلك قيل في الصحيفة: "وإنه من تبعنا من يهود، فإن له النصر والأسوة غير مظلومين، ولا متناصر عليهم" ثم زاد هذا الحكم إيضاحا، في فقرات أخرى فقال: "وإن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين... إلخ".[8]
وهكذا نرى أن الإسلام قد اعتبر أهل الكتاب، الذين يعيشون في أرجائه مواطنين، وأنهم أمة مع المؤمنين، ما داموا قائمين بالواجبات المترتبة عليهم، فاختلاف الدين ليس ـ بمقتضى أحكام الصحيفة ـ سببا للحرمان من مبدأ المواطنة.[9]
كما عملت هذه الوثيقة على استبدال مفهوم الفرقة والصراع بين الشعوب والقبائل؛ بمفهوم الأمة القائم على الوفاق والتعايش مع حفظ الخصوصيات، حيث تكوَّن لأول مرة في المدينة مجتمع تتعدد فيه علاقات الانتماء إلى الدين والجنس، ولكن تتوحد فيه علاقة الانتماء إلى الأرض المشتركة، هي أرض الوطن.[10]
معاهدة النبي مع نصارى نجران
وإذا كان ما مضى من وثيقة المدينة التي أبرمت مع اليهود، فقد قام النبي صلى الله عليه وسلم فيما بعد يقوم بمعاهدة ووثيقة أخرى مع فئة أخرى من أهل الكتاب، وهي مع نصارى نجران، وهم من العرب، وفيها جاء ما يلي:
بسم الله الرحمن الرحيم
هذا ما كتب محمد النبي رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل نجران:
1ـ إذ كان عليهم حُكمُه في كل ثمرة، وفي كل صفراء وبيضاء ورقيق، فأفضلَ ذلك عليهم، وترك ذلك كله لهم، على ألفي حلة من حلل الأواقي: في كل رجب ألف حلة، وفي كل صفر ألف حلة، كل حلة أوقية من الفضة.
2ـ فما زادت على الخراج، أو نقصت عن الأواقي فبالحساب.
3ـ وما قضوا من دروع، أو خيل، أو ركاب، أو عروض أُخذ منهم بالحساب.
4ـ وعلى نجران مؤنة رسلي، ومتعتهم، ما بين عشرين يوما فما دون ذلك، ولا تحبس رسلي فوق شهر.
5ـ وعليهم عارية ثلاثين درعا، وثلاثين فرسا، وثلاثين بعيرا، إذا كان كيد باليمن ومعرَّة.
6ـ وما هلك مما أعاروا رسلي من دروع، أو خيل، أو ركاب، أو عرض، فهو ضمين على رسلي، حتى يؤدوه إليهم.
7ـ ولنجران وحاشيتها، جوار الله، وذمة محمد النبي رسول الله على أموالهم، وأنفسهم، وملتهم، وغائبهم، وشاهدهم، وعشيرتهم، وبِيَعهم، وكل ما تحت أيديهم من قليل أو كثير.
8ـ لا يغير أسقف من أسقفيته، ولا راهب من رهبانيته، ولا كاهن من كهانته.
9ـ وليس عليهم رُبّيّة، ولا دم جاهلية، ولا يحشرون[11]، ولا يعشرون[12]، ولا يطأ أرضهم جيش.
10ـ ومن سأل منهم حقا فبينهم النَصف غير ظالمين ولا مظلومين.
11ـ ومن أكل ربا من ذي قبل فذمتي منه بريئة.
12ـ ولا يؤخذ منهم رجل بظلم آخر.
وعلى ما في هذا الكتاب جوار الله، وذمة محمد النبي رسول الله، حتى يأتي الله بأمره، ما نصحوا وأصلحوا ما عليهم، غير مثقلين بظلم). [13]
تجديد أبي بكر العهد للنجرانيين:
وقد قام خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصديق رضي الله عنه مع النجرانيين، فكتب لهم:
بسم الله الرحمن الرحيم
هذا ما كتب به عبد الله أبو بكر، خليفة محمد النبي رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل نجران:
أجارهم بجوار الله، وذمة محمد النبي رسول الله صلى الله عليه وسلم على أنفسهم، وأرضهم، وملتهم، وأموالهم، وحاشيتهم، وعبادتهم، وغائبهم، وشاهدهم، وأساقفتهم، ورهبانهم، وبيعهم، وكل ما تحت أيديهم من قليل وكثير، لا يُحشرون. ولا يغير أسقف من أسقفيته، ولا راهب من رهبانيته، وفاء لهم لكل ما كتب لهم محمد النبي صلى الله عليه وسلم. وعلى ما في هذه الصحيفة جوار الله، وذمة محمد النبي صلى الله عليه وسلم أبدا. وعليهم النُصح والصلاح فيما عليهم من الحق. [14]
تشريعات الإسلام وتعزيزها المواطنة
كما رأينا إضافة لوثيقة المدينة، وما نصت عليه من حقوق وواجبات، تشريعات الإسلام، تتعامل مع غير المسلم على أنه إنسان يحترم آدميته، فنصت على تشريعات تعزز بدورها قيم المواطنة والمساواة، وعدم الانتقاص، من حيث الحفاظ على حياته، وحقن دمه، وحفظ الأعراض، واحترام المال الخاص، وعدم المساس به، أو صاحبه، إلا بالحق.
حرمة الدماء والأموال والأعراض:
شدد الإسلام في حرمة الدماء والأموال والأعراض بوجه عام، ويستوي في ذلك دم ومال وعرض المسلم وغير المسلم الذي ليس محاربا للمسلمين، فلو زنى مسلم بغير مسلمة أقيم عليه حد الزنى، فلم يشترط الفقهاء لإقامة الحد على الزاني أن يكون الزنى بمسلمة، بل فرقوا فقط في الحد بناء على إحصان الزاني أم لا، فإن كان محصنا كان حده الرجم، وإن كان غير محصن كان حده الجلد مائة.[15]
وكذلك لو سرق مسلم مال غير مسلم أقيم عليه حد السرقة، إذا ثبت عليه، وشهد شاهدان بذلك.[16]
ولو سفك مسلم دم غير المسلم يُقْتل به، على ما نرجحه من أقوال الفقهاء، وهو مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة، فهو أولى بالترجيح، وأوفق لعموميات الكتاب والسنة، وأرسخ لمبدأ المساواة والعدل، واحترام الإسلام للدماء، وحرصه على حقنها، وتشديده على حرمتها.
وهو ما أفتى به أمير المؤمنين: عمر بن الخطاب، وذلك عندما قتل رجل من المسلمين رجلا من العِبَاد[17] فذهب أخوه إلى عمر، فكتب عمر: أن يُقتل، فجعلوا يقولون: اقتل حُنين، فيقول: حتى يجيء الغيظ، فعفى ولي الدم، فكتب عمر: أن يُودَى ولا يقتل.[18]
يقول الإمام الطحاوي: فهذا عمر رضي الله عنه قد رأى أيضا أن يقتل المسلم بالكافر، وكتب به إلى عامله بحضرة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ينكره عليه منهم منكر.[19]
ومن العلماء والفقهاء المعاصرين الذين قالوا بقتل المسلم إذا قتل غير المسلم غير المحارب: الإمام الأكبر الراحل الشيخ محمود شلتوت[20]، والعلامة الفقيه الشيخ محمد أبو زهرة[21]، والإمام أبو الأعلى المودودي[22] والشيخ محمد الغزالي[23] والدكتور يوسف القرضاوي[24] وغيرهم من العلماء المعاصرين.[25]
إيذاء غير المسلم:
وكما يحرم دم غير المسلم، وماله، وعرضه، يحرم كذلك إيذاؤه بأي لون من ألوان الإيذاء كان، فعن عروة بن الزبير: أن هشام بن حكيم رأى ناسا من أهل الذمة قياما في الشمس، فقال: ما هؤلاء؟ فقالوا: من أهل الجزية. فدخل على عمير بن سعد وكان على طائفة الشام فقال هشام: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من عذَّب الناس في الدنيا عذبه الله تبارك وتعالى" فقال عمير: خلوا عنهم.[26]
غيبة غير المسلم:
وربما تساهل بعض الجهلة بدينهم من المسلمين في قضية غيبة غير المسلم ظنا منه أنه أمر حلال في شأنه، وقد شدد الإسلام في ذلك أيما تشديد، فساوى بين غيبة المسلم وغير المسلم.
حرمة أماكن عبادتهم وعقائدهم:
بل حرم الإسلام المساس بأماكن العبادة لغير المسلمين، أو التجريح لهم في عقائدهم، وترك الحرية لهم في تجديد كنائسهم وتعميرها، بما يراه أولو الأمر مناسبا، من حيث تنظيم وإدارة الأمور، وليس من باب الإباحة والجواز، ونحن نعلم أن كثيرا من الباحثين عند تناول مثل هذه القضايا، وتحديدا قضية بناء الكنائس وتجديدها، سيعود إلى تقسيم الفقهاء إلى البلاد التي فتحت عنوة، والبلاد التي فتحت صلحا، والبلاد التي مصرها (أي أنشأها وعمرها) المسلمون، وأنه بناء على هذا التقسيم هل يجوز للنصارى أن يجددوا كنائسهم أو ينشئوا كنائس جديدة أم لا؟
وهي أحكام بنيت في معظمها على رد الفعل من غير المسلمين، أو بناء على أفعال صدرت منهم جعلت الريبة في الحكم تسود أحكامهم وأفكارهم. على خلاف عالمين مصريين عاشا في ظل مفهوم المواطنة، وتعاملا مع قضية بناء الكنائس وتجديدها بهذا المبدأ، وهما: الفقيه المصري: الإمام الليث بن سعد الذي يعد من أئمة المذاهب لا يقل علما عن مالك وأبي حنيفة، وعاصر مالك، وكان بينهما مراسلات، والآخر عالم محدث مصري: عبد الله بن لهيعة، رأيهما في بناء الكنائس من أنضج الآراء، إذ يقولا: إن بناء كنائس النصارى، هو داخل في عمارة دار الإسلام.[27] وهو ما مال إليه أيضا: الإمام ابن القاسم المالكي.[28]
وقد حافظ عمر بن الخطاب على كنيسة القيامة عندما فتح بيت المقدس، ورفض الصلاة فيها، مخافة المساس بها من المسلمين فيما بعد.[29]
تطبيق الرسول لمواثيق المواطنة
ورسخت الأيام والمواقف هذا الاتفاق بين النبي صلى الله عليه وسلم واليهود، وإن قابله اليهود بالغدر والخيانة، إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم ظل على خلقه الكريم معهم، في تمسكه ببنود هذه الوثيقة، فقد ذهب إليهم صلى الله عليه وسلم يستعينهم في دية قتيلين ذهبا ضحية جهل عمرو بن أمية الضمري رضي الله عنه بجوار رسول الله صلى الله عليه وسلم لهما، وقد ذهب النبي صلى الله عليه وسلم لليهود تنفيذا للعهد الذي بينه وبين بني النضير حول أداء الديات، فدبروا لقتله بأن أوعزوا إلى أحدهم أن يلقي عليه حجرا من فوق الجدار الذي جلس إليه النبي صلى الله عليه وسلم. [30]
فلماذا يذهب الرسول صلى الله عليه وسلم إلى اليهود للتعاون معه في دية قتل خطأ ارتكبه مسلم، إلا بناء على مبدأ المواطنة، وأنهم شركاء في وطن واحد، هو المدينة المنورة.
كما أننا عندما نتأمل في تمكين النبي صلى الله عليه وسلم لليهود من ممارسة تجارتهم، وأعمالهم، لدرجة احتكار تجارات معينة ليست لأحد سواهم، ولم ينازعهم فيها أحد من المسلمين: كتجارة السلاح، والذهب، وغيرها، وامتلاكهم لزمام إدارة الأسواق في المدينة المنورة، وهذا يتضح في حادثة يهود بني قينقاع عندما ذهبت امرأة مسلمة لسوقهم، فراودها أحد اليهود لتكشف وجهها فأبت، فلما جلست عمد إلى حيلة كشف بها عورتها عند قيامها، فصرخت، فسمع بصراخها مسلم كان موجودا بالسوق، فتشاجر مع اليهودي، فاجتمع عليه اليهود فقتلوه.[31] فبنظرة تأملية على هذا الموقف يثبت لنا: أن المسلم لم يجد من يقف معه من المسلمين عندما تصارع مع اليهودي، بل وجد خصمه اليهودي أنصارا كثيرين له مما أدى إلى قتل المسلم، دلالة على أن اليهود قد كان لهم زمام السوق وما فيه، وهو تواجد لا ينافسهم فيه أحد.
ثم زاد هذا التوثيق والتأكيد لمبدأ المواطنة، حتى بعد إجلاء اليهود الذين غدروا بالنبي صلى الله عليه وسلم، وطردهم من المدينة، فقد كان من سلوك الرسول صلى الله عليه وسلم العملي مع اليهود، من حيث تعاملاته في الشؤون المدنية والجنائية الخاصة باليهود، فقد احترم العهود معهم، واحترم خصوصياتهم التشريعية، ففي الشؤون المدنية مات صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهون عند يهودي، وكان له خادم يهودي ومرض فزاره صلى الله عليه وسلم قبل موته وأسلم الغلام، وظلت أسواقهم في المدينة المنورة كما هي، لم يصادرها منهم صلى الله عليه وسلم، بل تركها لهم، وترك تجارتهم.
كما طلب النبي صلى الله عليه وسلم من اليهود زراعة أرض المدينة مقابل النصف، فهم أهل خبرة في الزراعة أكثر من أهل المدينة. وبذلك يكون قد ملك اليهود زمام أمر الزراعة. وكان اليهود مَهَرَةً في بيع الأسلحة وصناعتها، واشتهروا بأنهم تجار السلاح في المدينة وغيرها، وبذلك يكون لهم اليد العليا في أمور الأسلحة أو بما يسمى في عصرنا: التصنيع الحربي.
ولنتأمل هذا الواقع: إذا كانت أسواق الذهب وغيره عندهم، وبذلك يكونون قد سيطروا على وزارة التجارة والتموين باصطلاحنا المعاصر، والسلاح هم تجاره، يبيعونه للمسلمين وغيرهم، ويكونون بذلك قد سيطروا أيضا على التصنيع الحربي. وكذلك الزراعة، فماذا بقي للمسلمين من السيطرة المزعومة واضطهاد غير المسلمين، أو التفاضل للمسلم على غيره؟! كل هذا يدل على أن الدولة الإسلامية التي أسسها النبي صلى الله عليه وسلم لم تفرق في المعاملة بين المسلمين وغيرهم أيا كانت ديانتهم، بل قامت على أساس الانتماء للوطن الواحد، والدفاع عن أرضه، والولاء له، والنزول على قوانينه.
ثانيا: السياق التاريخي للمواطنة عند فقهاء المسلمين
وترسخ هذا الفهم في نفوس المسلمين جميعا، لأنه شرعهم ودينهم، فرأينا جيل الصحابة، وعصر الخلفاء الراشدين ـ وبخاصة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ـ يترسخ فيه هذا المعنى ويتأكد، وقد وقف التاريخ وقفات طويلة أمام موقف عمر بن الخطاب من غير المسلمين في عدله ومساواته وإنصافه، من هذه المواقف: موقف القبطي[32] الذي تسابق مع ابن عمرو بن العاص والي مصر، وسبق القبطي ابن عمرو، فلطم ابن عمرو القبطي، وقال له: أنا ابن الأكرمين. فانتظر القبطي إلى موسم الحجيج وذهب إلى عمر بن الخطاب في مكة المكرمة يشكو من ابن والي مصر، فأرسل عمر إلى عمرو وابنه أن يحضرا، وقال للقبطي: اضرب من ضربك، اضرب ابن الأكرمين، ثم بعدها قال عمر للقبطي: اضرب عمروا على صلعته، قال القبطي: يا أمير المؤمنين إنما ضربت من ضربني، فقال عمر بن الخطاب قولته التي صارت قانونا، وصارت المادة الأولى من مواد مواثيق حقوق الإنسان: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا!![33]
ورغم ما حدث لم يُسلم القبطي، ولم يقايضه أحد على أخذ الحق له بالإسلام، هذا القبطي الذي كان قبل الإسلام في مصر لا يرفع رأسا أمام البيزنطيين، حتى جاء الإسلام وكفل له حق أن يشكو ابن واليه إلى الخليفة.
ثم نرى العدالة الاجتماعية التي يطبقها عمر بن الخطاب مساواة لغير المسلم بالمسلم، حين يرى يهوديا يتسوَّل، لأنه لا يملك أن يدفع الجزية، فيأمر له بعطاء يُصرف له من بيت مال المسلمين، قائلا: والله ما أنصفناه إن أكلنا شبيبته، ولا نرعى شيبته!
ولما عرّض أبو لؤلؤة المجوسي في كلامه بما يفصح عن نيته قتل عمر، واقترح أحد الصحابة سجن أبي لؤلؤة رفض عمر بن الخطاب هذا الاقتراح، لأنه لم يرتكب جُرْما.[34]
ثم تجلى تطبيق مبدأ المساواة أكثر على يد فقهاء المسلمين، فرأيناهم يجيزون للمسلم أن يتصدق من ماله على غير المسلم، وأن يعطيه من النذور والكفارات، مستشهدين بآيات من القرآن الكريم، ومنها قوله تعالى: (ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا) الإنسان: 8، والآية مكية، وقد كان الأسرى حينئذ من أهل الشرك.[35]
بل رأينا من أئمة التابعين من أعطى الرُّهبان من صدقة الفطر[36]، على ما تمثله صدقة الفطر من أهمية كبرى عند المسلم من عدة جهات، أولا: فهي مرتبطة بفريضتين هامتين في الإسلام: الزكاة والصوم، فهي مقرونة بشهر رمضان، وهي مطهرة للصائم من اللغو والرفث. ثانيا: أن زكاة المال يجمعها الحاكم أو الدولة لتوزعها على الفقراء، أما صدقة الفطر فالمستحب أن يوزعها المسلم بنفسه. ثالثا: أن زكاة المال تجب على من ملك نصاب الزكاة وهو مبلغ قلما توفر مع الفقير، أما صدقة الفطر، فهي تجب على من يملك قوت يوم وليلة العيد، ومعنى هذا أن عدد معطي زكاة الفطر أكبر من زكاة المال.
ورأينا فقيها إسلاميا روَّج العلمانيون ضده شائعات أنه ضد التسامح مع غير المسلمين، وهو شيخ الإسلام ابن تيمية، نراه يضرب أروع مثل لتطبيق مبدأ المواطنة، والحفاظ على إخوة الوطن الواحد، لا فرق فيه بين مسلم وغير مسلم، وذلك عندما أُسر عدد من المسلمين وغير المسلمين عند ملك التتر، فكتب رسالة لملك قبرص يشرح له موقفا حدث له مع ملك التتر عندما أسر عنده مجموعة من أبناء الوطن، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية لملك قبرص المسيحي: (نحن قوم نحب الخير لكل أحد، ونحب أن يجمع الله لكم خير الدنيا والآخرة؛ أعظم ما عُبد الله به: نصيحة خلقه… وقد عرف النصارى كلهم أني لما خاطبت التتار في إطلاق الأسرى، وأطلقهم (غازان) فسمح بإطلاق المسلمين، قال لي: لكن معنا نصارى أخذناهم من القدس فهؤلاء لا يطلقون، فقلت له: بل جميع من معك من اليهود والنصارى الذين هم أهل ذِمَّتنا، فإنا نفتكهم، ولا ندع أسيرا من أهل المِلَّة ولا من أهل الذمة، وأطلقنا من النصارى من شاء الله، فهذا عملنا إحساننا، والجزاء عند الله).[37]
وعندما جاءت الحملات الصليبية لغزو بلاد المسلمين والعرب، في تسع حملات، لم يسمها المؤرخون المسلمون بالحملات الصليبية، لعدم جرح شعور غير المسلمين من أهل الصليب، بل سموها حروب الفرنجة، لأنهم علموا أن الغازين لم يستهدفوا المسلمين فقط، بل استهدفوا العرب جميعا للسيطرة على بلادهم وخيراتهم، وحارب المسلمون وغير المسلمين معا لصد هذا الغزو، وأصر مؤرخو أوربا على تسميتها بالحروب الصليبية.


[1] انظر: قواعد الأحكام في مصالح الأنام لسلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام، وعلى الأخص (2/142)، ومقدمة الأشباه والنظائر للسيوطي، والأشباه والنظائر لابن نجيم ص 90، والمدخل الفقهي للأستاذ مصطفى الزرقا (2/99).

[2] انظر: في النظام السياسي الإسلامي للدكتور محمد سليم العوا ص: 239،238. طبعة دار الشروق.

[3] لمزيد من التفصيل حول هذه القيم الإسلامية الكبرى مثل: حرية الاعتقاد، والمساواة، والعدالة، والبر والرحمة، والإنصاف، والتسامح، وأهميتها في التعامل مع الآخر غير المسلم، انظر: التعامل مع غير المسلمين في العهد النبوي لناصر محمدي محمد جاد ص: 55-97.

[4] انظر: إعلام الموقعين لابن القيم (3/15،14).

[5] راجع لمزيد من التفصيل في هذه المسألة: (أحكام الذميين والمستأمنين في دار الإسلام) للدكتور عبد الكريم زيدان ص: 48-56. طبعة مؤسسة الرسالة الثانية.

[6] انظر: فقه السيرة للشيخ محمد الغزالي ص 196.

[7] انظر: مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة للدكتور محمد حميد الله ص 41-47 بتصرف.

[8] انظر: السيرة النبوية للدكتور محمد علي الصلابي (1/571).

[9] انظر: نظام الحكم لظافر القاسمي (1/37).

[10] انظر: وثيقة المدينة .. المضمون والدلالة للأستاذ أحمد قائد الشعيبي ص 209.

[11] لا يعشرون: لا يؤخذ منهم عشر أموالهم في التجارات.

[12] ولا يحشرون: لا يندبون إلى المغازي، ولا تضرب عليهم البعوث.

[13] انظر: الخراج لأبي يوسف ص 72، وإمتاع الأسماع للمقريزي (1/502) ومجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة للدكتور محمد حميد الله ص 142،141. وترقيم المعاهدة إلى فقرات، من اجتهاد الباحث.

[14] انظر: مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة للدكتور محمد حميد الله ص 159،158.

[15] انظر: الخراج لأبي يوسف ص189، وفتح القدير (4/155) والشرح الصغير (2/390) والمهذب (2/283) والمغني (8/181) نقلا عن: أحكام الذميين والمستأمنين في دار الإسلام للدكتور عبد الكريم زيدان ص 254.

[16] انظر: بدائع الصنائع (7/71) والمغني (10/276) ومغني المحتاج (4/175) ولمزيد من التفصيل انظر:  العلاقات الخاصة بين المسلمين وغير المسلمين للدكتور بدران أبو العينين بدران ص 274-277. وأحكام الذميين والمستأمنين في دار الإسلام للدكتور عبد الكريم زيدان ص271،270.

[17] العباد: قبائل شتى اجتمعوا على النصرانية بالحيرة.

[18] رواه ابن أبي شيبة (9/292-293) وعبدالرزاق (18520) والبيهقي (8/32) وذكره الطحاوي أيضا في (شرح مشكل الآثار) عن النزال بن سبرة. وقال محققه: (الشيخ شعيب الأرناؤوط): إسناده صحيح على شرط البخاري، رجاله ثقات رجال الشيخين. انظر (شرح مشكل الآثار) للطحاوي (3/279-280) بتحقيق الشيخ شعيب الأرناؤوط. ط الرسالة.

[19] انظر: شرح معاني الآثار للإمام الطحاوي (3/196).

[20] في كتابه (الإسلام عقيدة وشريعة) ص 373-375. طبعة دار الشروق بمصر.

[21] في كتابه (العقوبة) ص 314ـ317 طبعة دار الفكر العربي بمصر.

[22] في كتابه (نظرية الإسلام وهديه في السياسة والقانون والدستور) ص281ـ282 طبعة الدار السعودية. وفي رسالته (حقوق أهل الذمة) طبعة دار المختار الإسلامي بالقاهرة.

[23] في كتابه (السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث) ص 25،24.

[24] في كتابه (الشيخ الغزالي كما عرفته) ص 168،167. طبعة دار الوفاء بالقاهرة.

[25] انظر لمزيد من التفصيل في هذه القضية المراجع الآتية: أحكام الذميين والمستأمنين للأستاذ الدكتور عبد الكريم زيدان ص208 وما بعدها، والجنايات في الفقه الإسلامي للأستاذ الدكتور حسن الشاذلي ص136 وما بعدها، والجناية على الأبدان وموجبها في الفقه الإسلامي للأستاذ الدكتور المرسي السماحي ص 58 وما بعدها، وانظر بحث الدكتور سيف رجب قزامل المنشور في حولية كلية الشريعة جامعة قطر العدد التاسع ص199 وما بعدها.

[26] رواه أحمد في مسنده (14908) (3/403) وابن حبان (5612).

[27] انظر: تاريخ مصر وولاتها للكندي ص131. نقلا عن: الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري للمستشرق الألماني آدم متز ص69.

[28] انظر: أحكام الذميين والمستأمنين ص 82-85.

[29]

[30] انظر: سيرة ابن هشام (3/192،191) وتفسير الطبري (6/145،144) والدر المنثور للسيوطي (3/37،36).

[31] انظر: سيرة ابن هشام (3/54).

[32] القبطي هو المصري القديم، ولذا لا نحبذ وصف المسيحيين في مصر بالأقباط، بل وصف الأقباط يشمل المسلمين والمسيحيين في مصر، وهو نسبة إلى ثياب مصرية معروفة اشتهرت بها مصر. انظر: لسان العرب ومختار الصحاح والقاموس المحيط مادة (قبط). والنهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير ص 714. طبعة بيت الأفكار الدولية.

[33] انظر: فتوح مصر وأخبارها لابن عبد الحكم ص 290.

[34] في وجود أبي لؤلؤة المجوسي في المدينة المنورة دليل على دفع ما يثار حول عمر بن الخطاب من أنه استأصل غير المسلمين، وأزالهم من الجزيرة العربية تماما، والمعلوم أن أبا لؤلؤة غير مسلم.

[35] انظر: فقه الزكاة للدكتور يوسف القرضاوي (2/710).

[36] انظر: المصدر السابق.

[37] الرسالة القبرصية لشيخ الإسلام ابن تيمية ص22. نقلا عن: ابن تيمية للعلامة الشيخ محمد أبي زهرة ص384.

من فجر كنيسة القديسين؟!! (1)





لن أقف طويلاً على تفاصيل ما حدث ولكنى سألقى هنا الضوء على من يقف وراء هذا التفجير، هناك عدة جهات يمكن توجيه أصابع الإتهام لها فى هذا الذى حدث:

1. "القاعدة" وهذا تنظيم لا وجود له، تماما مثل زيف تواجده في بلدان الساحل الإفريقي. إنه يظهر هنا وهناك حسب الحاجة مثل لعبة الحاوي. هذا لا يعني وجود شباب مسلمين مغلوطين يتبعون خدعة الحاوي في كل مكان.
2. النظام الحاكم ذاته: ممكن لأنه مستفيد جدا من العملية. سيوظف الشعور بالخطر على الوحدة الوطنية لتقديم نفسه أنه الحارس والحامي لمصر. وسيوظف هذه الفاجعة لمزيد من إضعاف المعارضة.
لكن مستبعد عندي أن يقوم بمثل هذا على الأقل في الوقت الراهن. لأن الوسيلة عفنة جدا وخطيرة ومغامرة لا يلجؤ النظام إليها وله بدائل أخرى أقل مخاطرة. مع هذا سيستغل هذه الحادثة لتسجيل أقصى المكاسب السياسية والأمنية وخاصة مشروع التوريث ولو بعد حين.
3. الكنيسة القبطية ذاتها: لها مصلحة وإن كانت الضربة موجعة. فإنها ستستفيد من مكاسب جديدة وستحصل على ما لم تحصل عليه من قبل من الدعم الداخلي والخارجي وتجنيد أتباعها لأن الخطر على المصير يوحد. لكن مستبعد لنفس الأسباب التي قدمناها للنظام
تبقى إسرائيل وحلفاؤها؟
4. إسرائيل: وهذا الإحتمال الذي أحبذه. قامت به ليس لزعزعة إستقرار النظام المصري بل على العكس، لتقديم خدمة له وتثبيته. النظام الذي حاصر إخواننا في غزة ويحمي الحدود الإسرائيلية في شمال سيناء ويثبط القضايا العربية ويبقي توازنا لصالح إسرائيل في المنطقة هو الذي يجب إبقاؤه بكل السبل من وجهة مصلحة إسرائيل الحيوية. كما أنها تحظر ورقة التقسيم الطائفي والفوضى الخلاقة للمستقبل في حالة لا قدر الله -من وجهة نظرهم- تغير النظام القائم فعلا. لذا علينا أن نلاحظ توقيت هذا العمل الشنيع وكأنه تريث حتى يعطي للحزب الوطني الحاكم راحة وكل الوقت لطبخ إنتخابات تشريعية هزلية ثم عقد مؤتمره الوطني بكل أريحية حاملا رايات الإنتصار. إذا النظام الحاكم ليس مستهدفا بهذه العملية بل بالعكس هذه العملية هي خدمة من صديق حميم لحليف سيوظفها في إعادة إحياء مشروع التوريث ولو بطريقة متدرجة. ومصر مقدمة على الإنتخابات الرياسية وهذا المشروع تحرص عليه إسرائيل وأمريكا أكثر من النظام نفسه.
لذا علينا أن نحذر من مثل هذه الضربات الموجهة لوحدة الوطن لأن اليهود يمكن أن يكرروا مثل هذه الضربات فى المستقبل القريب. فكلما اقتربوا من هدفهم في التغيير كلما زادت الضربات وهذا يصدق على جميع المنطقة. وما يحدث فى السودان منا ببعيد....

وللحديث بقية

خالد جمال

الاثنين، 10 يناير 2011

مخطط "برنارد لويس" لتفتيت العالم الإسلامي


بقلم م. فتحي شهاب الدين
الذين لم يقرءوا التاريخ يظنون ما صنعته أمريكا بالعراق من احتلال وتقسيم أمرًا مفاجئًا جاء وليد الأحداث التي أنتجته، وما يحدث الآن في جنوب السودان له دوافع وأسباب، ولكن الحقيقة الكبرى أنهم نسوا أن ما يحدث الآن هو تحقيق وتنفيذ للمخطط الاستعماري الذي خططته وصاغته وأعلنته الصهيونية والصليبية العالمية؛ لتفتيت العالم الإسلامي، وتجزئته وتحويله إلى "فسيفساء ورقية" يكون فيه الكيان الصهيوني السيد المطاع، وذلك منذ إنشاء هذا الكيان الصهيوني على أرض فلسطين 1948م، وعندما ننشر هذه الوثيقة الخطيرة لـ"برنارد لويس" فإننا نهدف إلى تعريف المسلمين  بالمخطط، وخاصة الشباب الذين هم عماد الأمة وصانعو قوتها وحضارتها ونهضتها، والذين تعرضوا لأكبر عملية "غسيل مخ" يقوم بها فريق يعمل بدأب؛ لخدمة المشروع الصهيوني الأمريكي لوصم تلك المخططات بأنها مجرد "نظرية مؤامرة" رغم ما نراه رأي العين ماثلاً أمامنا من حقائق في فلسطين والعراق والسودان وأفغانستان، والبقية آتية لا ريب إذا غفلنا.

وحتى لا ننسى ما حدث لنا وما يحدث الآن وما سوف يحدث في المستقبل، فيكون دافعًا لنا على العمل  والحركة؛ لوقف الطوفان القادم.

برنارد لويس
 الصورة غير متاحة
 برنارد لويس
"برنارد لويس" من هو؟
* العراب الصهيوني.
* أعدى أعداء الإسلام على وجه الأرض.
* حيي بن أخطب العصر الحديث، والذي قاد الحملة ضد الإسلام ونبي الإسلام، وخرج بوفد يهود المدينة؛ ليحرض الجزيرة العربية كلها على قتال المسلمين والتخلص من رسولهم.

* صاحب أخطر مشروع  في هذا القرن لتفتيت العالم العربي والإسلامي من باكستان إلى المغرب، والذي نشرته مجلة وزارة الدفاع الأمريكية.

ولد "برنارد لويس" في لندن عام 1916م، وهو مستشرق بريطاني الأصل، يهودي الديانة، صهيوني الانتماء، أمريكي الجنسية.

تخرَّج في جامعة لندن 1936م، وعمل فيها مدرس في قسم التاريخ للدراسات الشرقية الإفريقية،

كتب "لويس" كثيرًا، وتداخل في تاريخ الإسلام والمسلمين؛ حيث اعتبر مرجعًا فيه، فكتب عن كلِّ ما يسيء للتاريخ الإسلامي متعمدًا، فكتب عن الحشاشين، وأصول الإسماعيلية، والناطقة، والقرامطة، وكتب في التاريخ الحديث نازعًا النزعة الصهيونية التي يصرح بها ويؤكدها.

نشرت صحيفة "وول ستريت جورنال" مقالاً قالت فيه:
إن برنارد لويس "90 عامًا" المؤرخ البارز للشرق الأوسط وقد وَفَّرَ الكثير من الذخيرة الإيدلوجية  لإدارة بوش في قضايا الشرق الأوسط  والحرب على الإرهاب؛ حتى إنه يُعتبر بحقٍّ منظرًا لسياسة التدخل والهيمنة الأمريكية في المنطقة.

قالت نفس الصحيفة إن لويس قدَّم تأيدًا واضحًا للحملات الصليبية الفاشلة، وأوضح أن الحملات الصليبية على بشاعتها كانت رغم ذلك ردًّا مفهومًا على الهجوم الإسلامي خلال القرون السابقة، وأنه من السخف الاعتذار عنها.

رغم أن مصطلح "صدام الحضارات" يرتبط بالمفكر المحافظ "صموئيل هنتينجتون" فإن "لويس" هو مَن قدَّم التعبير أولاً إلى الخطاب العام، ففي كتاب "هنتينجتون" الصادر في 1996م يشير المؤلف إلى فقرة رئيسية في مقال كتبها "لويس" عام 1990م بعنوان جذور الغضب الإسلامي، قال فيها: "هذا ليس أقل من صراع  بين الحضارات، ربما تكون غير منطقية، لكنها بالتأكيد رد فعل تاريخي منافس قديم لتراثنا اليهودي والمسيحي، وحاضرنا العلماني، والتوسع العالمي لكليهما".

طوَّر "لويس" روابطه الوثيقة بالمعسكر السياسي للمحافظين الجدد في الولايات المتحدة منذ سبعينيات القرن العشرين؛ حيث يشير "جريشت" من معهد العمل الأمريكي إلى أن لويس ظلَّ طوال سنوات "رجل الشئون العامة"، كما كان مستشارًا لإدارتي بوش الأب والابن.

في 1 /5 /2006م ألقى "ديك تشيني" نائب الرئيس "بوش الابن" خطابًا يكرِّم فيه "لويس" في مجلس الشئون العالمية في فيلادلفيا؛ حيث ذكر "تشيني" أن لويس قد جاء إلى واشنطن ليكون مستشارًا لوزير الدفاع  لشئون الشرق الأوسط.

لويس الأستاذ المتقاعد بجامعة "برنستون" ألَّف 20 كتابًا عن الشرق الأوسط من بينها "العرب في التاريخ" و "الصدام بين الإسلام والحداثة في الشرق الأوسط الحديث" و"أزمة الإسلام" و"حرب مندسة وإرهاب غير مقدس".

لم يقف دور برنارد لويس عند استنفار القيادة في القارتين الأمريكية والأوروبية، وإنما تعدَّاه إلى القيام بدور العراب الصهيوني الذي صاغ للمحافظين الجدد في إدارة الرئيس بوش الابن إستراتيجيتهم في العداء الشديد للإسلام والمسلمين، وقد شارك لويس في وضع إستراتيجية الغزو الأمريكي للعراق؛ حيث ذكرت الصحيفة الأمريكية أن "لويس" كان مع الرئيس بوش الابن ونائبه تشيني، خلال اختفاء الاثنين  على إثر حادثة ارتطام الطائرة بالمركز الاقتصادي العالمي، وخلال هذه الاجتماعات ابتدع لويس للغزو  مبرراته وأهدافه التي ضمَّنها في مقولات "صراع الحضارات" و"الإرهاب الإسلامي".

في مقابلة أجرتها وكالة الإعلام مع "لويس" في 20/5/2005م قال الآتي بالنص: "إن العرب والمسلمين قوم فاسدون مفسدون فوضويون، لا يمكن تحضرهم، وإذا تُرِكوا لأنفسهم فسوف يفاجئون العالم المتحضر بموجات بشرية إرهابية تدمِّر الحضارات، وتقوِّض المجتمعات، ولذلك فإن الحلَّ السليم للتعامل معهم هو إعادة احتلالهم واستعمارهم، وتدمير ثقافتهم الدينية وتطبيقاتها الاجتماعية، وفي حال قيام أمريكا بهذا الدور فإن عليها أن تستفيد من التجربة البريطانية والفرنسية في استعمار المنطقة؛ لتجنُّب الأخطاء والمواقف السلبية التي اقترفتها الدولتان، إنه من الضروري إعادة تقسيم الأقطار العربية والإسلامية إلى وحدات عشائرية وطائفية، ولا داعي لمراعاة خواطرهم أو التأثر بانفعالاتهم وردود الأفعال عندهم، ويجب أن يكون شعار أمريكا في ذلك، إما أن نضعهم تحت سيادتنا، أو ندعهم ليدمروا حضارتنا، ولا مانع عند إعادة احتلالهم أن تكون مهمتنا المعلنة هي تدريب شعوب المنطقة على الحياة الديمقراطية، وخلال هذا الاستعمار الجديد لا مانع أن تقدم أمريكا بالضغط على قيادتهم الإسلامية- دون مجاملة ولا لين ولا هوادة- ليخلصوا شعوبهم من المعتقدات الإسلامية الفاسدة، ولذلك يجب تضييق الخناق على هذه الشعوب ومحاصرتها، واستثمار التناقضات العرقية، والعصبيات القبلية والطائفية فيها، قبل أن تغزو أمريكا وأوروبا لتدمر الحضارة  فيها".

انتقد "لويس" محاولات الحل السلمي، وانتقد الانسحاب الصهيوني من جنوب لبنان، واصفًا هذا الانسحاب بأنه عمل متسرِّع ولا مبرر له، فالكيان الصهيوني يمثل الخطوط الأمامية للحضارة الغربية، وهي تقف أمام الحقد الإسلامي الزائف نحو الغرب الأوروبي والأمريكي، ولذلك فإن على الأمم الغربية  أن تقف في وجه هذا الخطر البربري دون تلكُّؤ أو قصور، ولا داعي لاعتبارات الرأي العام العالمي، وعندما دعت أمريكا عام 2007م إلى مؤتمر "أنابوليس" للسلام كتب لويس في صحيفة "وول ستريت" يقول:

"يجب ألا ننظر إلى هذا المؤتمر ونتائجه إلا باعتباره مجرد تكتيك موقوت، غايته تعزيز التحالف ضد الخطر الإيراني، وتسهيل تفكيك الدول العربية والإسلامية، ودفع الأتراك والأكراد والعرب والفلسطينيين  والإيرانيين ليقاتل بعضهم بعضًا، كما فعلت أمريكا مع الهنود الحمر من قبل".


"بريجنسكي" مستشار الأمن القومي الأمريكي
 الصورة غير متاحة
بريجسكي
مشروع برنارد لويس لتقسيم الدول العربية والإسلامية، والذي اعتمدته الولايات المتحدة لسياستها المستقبلية:
1- في عام 1980م والحرب العراقية الإيرانية مستعرة صرح مستشار الأمن القومي الأمريكي "بريجنسكي" بقوله: "إن المعضلة التي ستعاني منها الولايات المتحدة من الآن (1980م) هي كيف يمكن تنشيط حرب خليجية ثانية تقوم على هامش الخليجية الأولى التي حدثت بين العراق وإيران تستطيع أمريكا من خلالها تصحيح حدود "سايكس- بيكو".

2- عقب إطلاق هذا التصريح وبتكليف من وزارة الدفاع الأمريكية "البنتاجون" بدأ المؤرخ الصهيوني المتأمرك "برنارد لويس" بوضع مشروعه الشهير الخاص بتفكيك الوحدة الدستورية لمجموعة الدول العربية والإسلامية جميعًا كلا على حدة، ومنها العراق وسوريا ولبنان ومصر والسودان وإيران وتركيا وأفغانستان وباكستان والسعودية ودول الخليج ودول الشمال الإفريقي.. إلخ، وتفتيت كل منها إلى مجموعة من الكانتونات والدويلات العرقية والدينية والمذهبية والطائفية، وقد أرفق بمشروعه المفصل مجموعة من الخرائط المرسومة تحت إشرافه تشمل جميع الدول العربية والإسلامية المرشحة للتفتيت  بوحي من مضمون تصريح "بريجنسكي" مستشار الأمن القومي في عهد الرئيس "جيمي".

جيمي كارتر- الرئيس الأسبق لأمريكا
 الصورة غير متاحة
جيمي كارتر

"كارتر" الخاص بتسعير حرب خليجية ثانية تستطيع الولايات المتحدة من خلالها تصحيح حدود سايكس بيكو بحيث يكون هذا التصحيح متسقا مع الصالح الصهيو أمريكي.


3- في عام 1983م وافق الكونجرس الأمريكي بالإجماع في جلسة سرية على مشروع الدكتور "برنارد لويس"، وبذلك تمَّ تقنين هذا المشروع واعتماده وإدراجه في ملفات السياسة الأمريكية الإستراتيجية لسنوات مقبلة.

تفاصيل المشروع الصهيوأمريكي لتفتيت العالم الإسلامي "لبرنارد لويس"



 الصورة غير متاحة
خريطة مصر والسودان
مصر والسودان
1- مصر
4 دويلات
1- سيناء وشرق الدلتا:
1- "تحت النفوذ اليهودي" (ليتحقق حلم اليهود من النيل إلى الفرات).
2- الدولة النصرانية:
* عاصمتها الإسكندرية.
* ممتدة من جنوب بني سويف حتى جنوب أسيوط واتسعت غربًا لتضم الفيوم وتمتد في خط صحراوي عبر وادي النطرون ليربط هذه المنطقة بالإسكندرية.

* وقد اتسعت لتضم أيضًا جزءًا من المنطقة الساحلية الممتدة حتى مرسى مطروح.

3- دولة النوبة:
* المتكاملة مع الأراضي الشمالية السودانية.
* عاصمتها أسوان.
* تربط الجزء الجنوبي الممتد من صعيد مصر حتى شمال السودان باسم بلاد النوبة بمنطقة الصحراء الكبرى لتلتحم مع دولة البربر التي سوف تمتد من جنوب المغرب حتى البحر الأحمر.

4- مصر الإسلامية:
* عاصمتها القاهرة.
* الجزء المتبقي من مصر.
* يراد لها أن تكون أيضًا تحت النفوذ الإسرائيلي (حيث تدخل في نطاق إسرائيل الكبرى التي يطمع اليهود في إنشائها).

2- السودان
انظر الخريطة السابقة (خريطة تقسيم مصر والسودان).
4 دويلات
1- دويلة النوبة: المتكاملة مع دويلة النوبة في الأراضي المصرية التي عاصمتها أسوان.

2- دويلة الشمال السوداني الإسلامي:

3- دويلة الجنوب السوداني المسيحي: وهي التي سوف تعلن انفصالها في الاستفتاء المزمع عمله ليكون أول فصل رسمي طبقًا للمخطط.

4- دارفور: والمؤامرات مستمرة لفصلها عن السودان بعد الجنوب مباشرة حيث إنها غنية باليورانيوم والذهب والبترول.

3- دول الشمال الإفريقي
 الصورة غير متاحة
حريطة شمال أفريقيا
تفكيك ليبيا والجزائر والمغرب بهدف إقامة:

1- دولة البربر: على امتداد دويلة النوبة بمصر والسودان.


2- دويلة البوليساريو.


3- الباقي دويلات المغرب والجزائر وتونس وليبيا.



4- شبه الجزيرة العربية (والخليج)
 الصورة غير متاحة
خريطة شبه الجزيرة العربية والخليج
- إلغاء الكويت وقطر والبحرين وسلطنة عمان واليمن والإمارات العربية من الخارطة ومحو وجودها الدستوري بحيث تتضمن شبه الجزيرة والخليج ثلاث دويلات فقط.

1- دويلة الإحساء الشيعية: (وتضم الكويت والإمارات وقطر وعمان والبحرين).

2- دويلة نجد السنية.
3- دويلة الحجاز السنية.

5- العراق
تفكيك العراق على أسس عرقية ودينية ومذهبية على النحو الذي حدث في سوريا في عهد العثمانيين.

3 دويلات
1- دويلة شيعية في الجنوب حول البصرة.
2- دويلة سنية في وسط العراق حول بغداد.
3- دويلة كردية في الشمال والشمال الشرقي حول الموصل (كردستان) تقوم على أجزاء من الأراضي العراقية والإيرانية والسورية والتركية والسوفيتية (سابقًا).

 الصورة غير متاحة
خريطة سوريا العراق
ملاحظة:(صوّت مجلس الشيوخ الأمريكي كشرط انسحاب القوات الأمريكية من العراق في 29/9/2007 على تقسيم العراق إلى ثلاث دويلات المذكور أعلاه وطالب مسعود برزاني بعمل استفتاء لتقرير مصير إقليم كردستان العراق واعتبار عاصمته محافظة (كركوك) الغنية بالنفط محافظة كردية ونال مباركة عراقية وأمريكية في أكتوبر 2010 والمعروف أن دستور "بريمر" وحلفائه من العراقيين قد أقر الفيدرالية التي تشمل الدويلات الثلاث على أسس طائفية: شيعية في (الجنوب)/ سنية في (الوسط)/ كردية في (الشمال)، عقب احتلال العراق في مارس-أبريل 2003).

6- سوريا
انظر الخريطة السابقة (خريطة تقسيم سوريا والعراق)
تقسيمها إلى أقاليم متمايزة عرقيًّا أو دينيًّا أو مذهبيًّا

4- دويلات
1- دولة علوية شيعية (على امتداد الشاطئ).
2- دولة سنية في منطقة حلب.
3- دولة سنية حول دمشق.
4- دولة الدروز في الجولان ولبنان (الأراضي الجنوبية السورية وشرق الأردن والأراضي اللبنانية).

7- لبنان
 الصورة غير متاحة
خريطة لبنان
تقسيم لبنان إلى ثمانية كانتونات عرقية ومذهبية ودينية:

1- دويلة سنية في الشمال (عاصمتها طرابلس).
2- دويلة مارونية شمالاً (عاصمتها جونيه).
3- دويلة سهل البقاع العلوية (عاصمتها بعلبك) خاضعة للنفوذ السوري شرق لبنان.
4- بيروت الدولية (المدوّلة)
5- كانتون فلسطيني حول صيدا وحتى نهر الليطاني تسيطر عليه منظمة التحرير الفلسطينية (م.ت.ف)

6- كانتون كتائبي في الجنوب والتي تشمل مسيحيين ونصف مليون من الشيعة.

7- دويلة درزية (في أجزاء من الأراضي اللبنانية والسورية والفلسطينية المحتلة).

8- كانتون مسيحي تحت النفوذ الإسرائيلي.

 الصورة غير متاحة
تقسيم إيران وباكستان وأفغانستان
8- إيران وباكستان وأفغانستان
تقسيمها إلى عشرة كيانات عرقية ضعيفة:
1- كردستان.
2- أذربيجان.
3- تركستان.
4- عربستان.
5- إيرانستان (ما بقي من إيران بعد التقسيم).
6- بوخونستان.
7- بلونستان.
8- أفغانستان (ما بقي منها بعد التقسيم).
9- باكستان (ما بقي منها بعد التقسيم).
10- كشمير.
9- تركيا
انتزاع جزء منها وضمه للدولة الكردية المزمع إقامتها في العراق.
 10- الأردن
تصفية الأردن ونقل السلطة للفلسطينيين.
11- فلسطين
 الصورة غير متاحة
خريطة إسرائيل الكبرى
ابتلاعها بالكامل وهدم مقوماتها وإبادة شعبها.
خريطة إسرائيل الكبرى
خريطة إسرائيل الكبرى
12- اليمن
إزالة الكيان الدستوري الحالي للدولة اليمنية بشطريها الجنوبي والشمالي واعتبار مجمل أراضيها جزءًا من دويلة الحجاز.
-----------------------------
* اتفاقية سايكس- بيكو 1916 وفيها تم اقتسام ما تبقى من المشرق العربي عقب الحرب العالمية الأولى بين إنجلترا وفرنسا والذي أعقبها وعد بلفور 1917 لليهود في فلسطين
* جيمي كارتر حَكَمَ أمريكا منذ (1977-  1981) وفي عهده تم وضع مشروع التفكيك، وهو قس داهية يعتمد السياسة الناعمة وهو الآن يجوب الدول العربية والإسلامية بحجة تحقيق الديمقراطية ونشر السلام في المنطقة!!!








أجراس المحبة وأقراصها – فهمي هويدي



لا تطمئننا كثيرا أجراس المحبة التي يتردد رنينها في الفضاء المصري منذ وقعت فاجعة الإسكندرية منذ عشرة أيام،
ذلك أن أخشى ما أخشاه أن نكتفي بالرنين، معتبرين أننا أدينا ما علينا لينصرف بعد ذلك كل إلى حال سبيله.

بطبيعة الحال فليس لدى أي اعتراض على مشاعر المودة التي أبديت، ولدي استعداد لأن اعتبرها صادقة ونابعة من القلب،
لكن اعتراضي ينصب على أمرين،

أولهما أن نكتفي بإطلاق تلك المشاعر، بحيث لا يختلف موقفنا عن أولئك الذين توافدوا على سرادق العزاء ذات مساء لكي يقوموا بالواجب لبعض الوقت، ثم ينفضون بعد ذلك لينشغل كل واحد بأمره الخاص،

الأمر الثاني أن تظل أبصارنا متجهة نحو قضايا التعصب والتطرف والمطالب القبطية، ولا نتطرق إلى شيء من المناخ أو التربة التي أفرزت هذه الأمور وعقَّدتها.

لم أفهم مثلا، لماذا لم ننتبه إلى الجهد الذي بذل طوال السنوات الماضية لتفكيك مصر وإضعاف وشائجها وحصاناتها، ومن ثم تجريدها من المناعة التي تمكنها من الصمود أمام تغول السموم الفكرية والثقافية.

إن بعض الجهابذة ما برحوا يلحون على فكرة "الدولة المدنية" كحل للإشكال، وكان توظيفهم للفكرة واضحا في وضع ما هو مدني مقابل ما هو ديني. بمعنى أن مرادهم بات محصورا في تحدي الديني بالمدني، ووضعهم موضع التضاد الذي يراد له أن ينتهي بإقصاء الديني وهزيمته. وهي فكرة خائبة ومغلوطة علميا وسياسيا.

فليس صحيحا أن المدني نقيض للديني، ولا علاقة لما هو مدني بحضور الدين أو العقيدة، ولكن فكرة المجتمع المدني نشأت أصلا لتحدى سلطة الكنيسة مستهدفة الخلاص من استبدادها، وإدارة المجتمع من خلال منابره الأصلية والمؤسسات التي تمثل الناس ولا تمثل سلطة الكنيسة أو حتى سلطة الملك.

وفي تعريفات علماء الاجتماع، فليست وظيفة المدني إقصاء الديني، وإنما استثمار قيمه الإيجابية لخدمة الناس والنهوض بالمجتمع.

تمثل خيبة الفكرة والتغليظ أيضا في أن المتحدثين عن المجتمع المدني تجاهلوا حقيقة أنه لا تقوم له قائمة إلا في مجتمع ديمقراطي يرتفع فيه سقف الحرية، ويكون للناس فيه حضورهم الفاعل، متمثلا في النقابات والأحزاب والمنظمات الأهلية، إلى جانب المؤسسات المستقلة الأخرى كالقضاء والمجالس النيابية والبلدية،

لم يملك أحد من أولئك الجهابذة شجاعة الإعلان عن أن قضية الديمقراطية ضرورية لقيام المجتمع المدني، لأن ذلك المطلب موجه إلى النظام القائم.

وهذا الإغفال ليس بريئا ويتعذر افتراض السهو فيه، لأن الذين استحضروا فكرة "المدني" لم يشغلوا أنفسهم بالديمقراطية أو بمشاركة المجتمع في صياغة حاضرة ومستقبلة، ولكنهم ظلوا مهجوسين بفكرة إقصاء الديني بالدرجة الأولى. إن شئت فقل إنهم شغلوا بمراراتهم وتصفية حساباتهم بأكثر من انشغالهم بعافية المجتمع أو مستقبله.

لقد ظلت "أجراس المحبة" تلح كثيرا على فكرة التسامح، الأمر الذي يدعونا إلى التساؤل عن حضور تلك القيمة في الواقع، خصوصا في سلوك الحكومة والنموذج الذي تقدمه، ولأن نموذج الانتخابات التشريعية لا يزال ماثلا في أذهاننا، فإننا إذا استحضرنا تفاصيله ونتائجه فسنكتشف أن الحكومة والحزب الحاكم من ورائها قدما لنا في الانتخابات درسا في اللاتسامح والقمع، بحيث صودر "الآخر" وسحق تماما بمنتهي القسوة والفظاظة.

ومن حق أي أحد في هذه الحالة، وفي حالات أخرى مماثلة وكثيرة، أن يتساءل:
لماذا نطالب بالتسامح من جانبنا. في حين أن ممارسات الحكومة -خصوصا أجهزتها الأمنية- لا أثر فيها لأي تسامح مع المواطنين.

بل إنها في بعض الأحيان تبدى تسامحا مع الأجانب والغرباء، ولا يخطر على بالها أن تعبر عنه مع المواطنين
(هل تذكر حادثة زميلنا مجدي حسين الذي ذهب ليتضامن مع غزة عبر أحد الأنفاق، فسجن ثلاث سنوات، وحين فعلها صحفي إسرائيلي وجاء إلى سيناء، فإنه سلم إلى حكومة بلاده في ذات الأسبوع).

الذي حدث مع التسامح تكرر مع قيمة المواطنة، التي ذكرت أمس أن السلطة حين أرادت تعطي انطباعا بالدفاع عنها فإنها أضافت المصطلح إلى نص المادة الأولى من الدستور، مكررة معنى مذكورا بطريقة أفضل في المادة 40 منه. وبعد ذلك التدخل اللغوي ظلت المواطنة شعارا معلقا في الهواء، ولم نر له أثرا على أرض الواقع.

إن أجراس المحبة تحولت في حقيقة الأمر إلى أقراص للمحبة مهمتها مقصورة على التسكين وامتصاص الغضب،

وما لم نفتح الملفات الكبيرة، ونملك شجاعة التصدى لأصل الداء الذي ضرب مصر كلها، متمثلا في تغييب الديمقراطية وإهدار قيم القانون والتسامح والمواطنة وغيرها من أعمدة العيش المشترك. فإن صوت الأجراس سيذوي بمضي الوقت، ولن يكون له صدى يذكر، وسنخرج من الفاجعة بمثل ما دخلنا فيها بالضبط.
.....................

السبت، 8 يناير 2011

قبل أن تدهمنا فتنة أكبر










ما بال أقوام يحسبون أنه لا سبيل إلى إطفاء نار الفتنة الطائفية في مصر إلا بإضعاف الهوية الإسلامية للبلد، الأمر الذي يغدو نوعا من الشطط الذي يستبدل بفتنة أخرى أكبر منها وأشد خطرا.
(1)
حين وقعت الواقعة في نجع حمادي وروعنا جميعا بسببها، حذرت من تدخلات المتعصبين والمزايدين والمتربصين، وتمنيت عليهم أن يخدموا الوطن في أثناء الأزمة بسكوتهم وامتناعهم عن التحريض وتأجيج المشاعر وتوسيع الحريق. لكن ذلك لم يحدث للأسف، وإنما، وجدنا تنافسا بين عناصر الفئات الثلاث على تحقيق أكبر عدد من أهدافهم وسط المعمعة.
وبدا أن القاسم المشترك الأعظم في مسعاهم هو تهميش حضور الإسلام في إدراك الجماهير فضلا عن المجال العام. في مسعى يكاد يكون تمثلا لحالة الرجل الذي يقول المثل العامي إنه أراد أن «يكحلها فأعماها» عن عمد وسبق إصرار.
آخر ما يخطر على البال إذ يظن بي أنني أدعو إلى التهوين مما جرى، لأن ما أتمناه حقا ألا نبالغ في رد الفعل، بحيث نعطى الموضوع حقه بغير زيادة أو نقصان، كما أنني أرجو ألا يزايد علي أحد في تأصيل حق الأقباط كمواطنين وشركاء في المصير.
"
القاسم المشترك الأعظم للمتعصبين والمزايدين والمتربصين، في قضية نجع حمادي هو تهميش حضور الإسلام في إدراك الجماهير فضلا عن المجال العام, في مسعى يكاد يكون مطابقا للمثل أراد أن «يكحلها فأعماها» عن عمد وسبق إصرار
"
وقد سجلت موقفي هذا في كتابي «مواطنون لا ذميون»، الذي طبع منذ نحو ربع قرن «عام 1985»، وعلقت بعض فصوله في الكنائس المصرية آنذاك، ولعل كثيرين يذكرون مقالتي التي منعت «الأهرام» نشرها في عام 1995، ودعوت فيها إلى انتخاب كل الأقباط الذين ترشحوا لعضوية مجلس الشعب وقتذاك.
وكانت المقالة ردا على دعوة مرشح الحزب الوطني عن دائرة حي الظاهر بالقاهرة، إلى عدم التصويت لمرشح حزب الوفد منير فخري عبد النور، لأنه قبطي، ولا يتسع المجال لاستعراض كتابات أخری سجلت فيها موقفي إزاء الموضوع، خصوصا أن تلك الكتابات متوفرة في أي أرشيف له صلة به.
إنني أخشى أن نكرر خطيئة الرئيس بوش بعد أحداث 11 سبتمبر، حين بالغ في رد الفعل، وأعلنها حربا مفتوحة على «الإرهاب». وتصور أن بمقدوره إعادة تشكيل العقل الإسلامي من جديد. فدعت إدارته إلى تغيير مناهج التعليم وتجديد الخطاب الديني وأخضعت منظمات المجتمع المدني الإسلامية للرقابة والتفتيش، ولم يكتف بمعاقبة الذين ارتكبوا الحادث ومن ورائهم. ثم كانت النتيجة فشلا على كل الجبهات. فلا هو قضى على الإرهاب، ولا غير من عقول المسلمين وثقافتهم، وإنما أشاع بينهم درجات متفاوتة من البغض والكراهية للولايات المتحدة وسياساتها، حتى أصبحت إحدى مشكلات خلفه أن يحسن من صورة بلاده في العالم الإسلامي.
ما يحدث في مصر الآن شيء قريب من هذا. ذلك أن التعامل مع الجريمة البشعة التي وقعت في نجع حمادي لا يريد له البعض أن يكتفي بمعاقبة الجناة ومن وراءهم، وتحري الأسباب الحقيقية التي دعتهم إلى ارتكاب الجريمة، وإجراء حوار جاد حول مصادر التعصب ومطالب الأقباط، ولكن أولئك البعض، الذين هم خليط من الفئات الثلاث سابقة الذكر. نقلوا المناقشة إلى مستوى آخر، استهدف الهوية الإسلامية لمصر. فدعوا إلى إضعاف تلك الهوية، ومنهم من تحدث بصراحة عن طمس تلك الهوية ومحوها تماما. وكما أن بعض الناشطين الإسلاميين رفعوا شعار الإسلام هو الحل، فإن أصحابنا هؤلاء رفعوا شعارا ملغوما مضادا قالوا فيه إن الإسلام هو المشكلة.
(2)
حتى أكون أكثر تحديدا فإنني أفرق بين دائرتين للحوار، الأولى تتصل بمطالب الأقباط وحقوقهم كمواطنين في البلد، والثانية تتعلق بالخطوط الحُمر التي ينبغي الوقوف عندها حفاظا على مقومات المجتمع ودفاعا عن السلم الأهلي، وقبل التطرق إلى المطالب فإنني ألفت النظر إلى أن الاستجابة لها لا علاقة لها بعدد الأقباط في مصر ونسبتهم المئوية بين السكان.
ولذلك فإنني لا أجد مبررا للمبالغة أو المزايدة في هذا الباب. وهي ملاحظة عنت لي حين لاحظت أن بعض المثقفين وبعض المسؤولين أيضا يتحدثون عن أن الأقباط يمثلون 10٪ من سكانها. وتلك معلومة تدهش خبراء الإحصاء في مصر الذين يقطعون بأن تلك النسبة لا تتجاوز 6٪ في أحسن فروضها. ويستندون في ذلك إلى مؤشرات 13 إحصاء تمت في مصر منذ بدأت في عام 1897، في ظل الاحتلال البريطاني لمصر.
وبعض تلك الإحصاءات أشرف عليها الإنجليز، وبعضها شارك نفر من الأقباط في إجرائها (رئيس الإحصاء في تعداد عام 1937 كان حنين بك حنين وفي إحصاء عام 1976 كان المسؤول عن التعداد في الوجه البحري قبطي آخر هو السيد موريس حنا غبريال، وكيل الوزارة بالجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء).
"
خلال 113 عاما لم تتغير نسبة الأقباط في مصر إلا في حدود هوامش بسيطة للغاية, ولذلك ليس هناك مبرر منطقي للمزايدة والقفز بالنسبة إلى 10٪ أو أكثر، لأنهم لو كانوا واحدا في المائة فحقهم في المواطنة والمساواة مكفول
"
وفي كل تلك الإحصاءات التي تمت خلال 113 عاما لم تتغير النسبة التي أشرت إليها، إلا في حدود هوامش بسيطة للغاية تقل عن نصف في المائة ولذلك فليس هناك مبرر منطقي للمزايدة والقفز بالنسبة إلى 10٪ أو أكثر، لأنهم لو كانوا واحدا في المائة فحقهم في المواطنة والمساواة مكفول ولا ينبغي أن ينتقص منه.
إن المطالب الخاصة بإصدار قانون موحد لدور العبادة، والمساواة في الوظائف العامة، ووقف القدح في المعتقدات الدينية، وتجريم أي تمييز أو تحقير ينال أي مواطن بسبب معتقده الديني، وغير ذلك من المطالب التي تتعلق بحقوق المواطنة ومقتضيات المساواة، هذه كلها أمور مشروعة، وليس هناك أي مبرر للتقاعس في الاستجابة لها.
ولا أفهم مثلا لماذا تأخر إصدار القانون الموحد لدور العبادة طوال أربعين عاما. ذلك أنه من مصلحة الجميع أن تخضع عملية بناء دور العبادة لقواعد واحدة، تمكن كل المتدينين من أداء شعائرهم، وليت التوحيد لا يقتصر على شروط البناء، وإنما يشمل أيضا مجمل الظروف التي تعمل في ظلها تلك الدور. وهو ما قد يمكن المساجد من الإفادة من الحريات المتاحة للكنائس، سواء في عدم تقييد مواعيد الفتح والإغلاق أو رفع يد وزارة الداخلية عن الوعاظ فيها، إلى جانب التسامح مع ما تمارسه من أنشطة اجتماعية وثقافية وخيرية.
(3)
هل لا بد لإنصاف الأقباط إضعاف الإسلام ومطاردة مظاهره في مصر؟ وهل هذا ممكن من الناحية العملية؟ وما تأثير هذه الدعوة على السلم الأهلي والتعايش المفترض بين المسلمين والأقباط؟
وهل يصبح الأقباط في أمان في هذه الحالة؟ وبعد الانسحاب من العروبة تطبيقا لشعار مصر أولا وأخيرا، ماذا يبقى من مصر إذا طمس الإسلام فيها وصار بدوره «محظورا»؟
هذه أسئلة من وحي الكتابات التي نشرها نفر من «المصريين الجدد» مؤخرا، وأزعم أنها ألقت بذور فتنة أخرى نسأل الله أن يجنبنا شرورها، وحتى لا يظن أحد أنني أبالغ فيما سألت عنه، فإنني سأكتفي بالإشارة إلى بعض الأفكار والعناوين التي نشرتها الصحف المصرية في الآونة الأخيرة، فقد كتب أحد القيادات الثقافية في ثنايا مقال عن «مواجهة ثقافة التخلف» أن ظاهرة التدين في مصر وصلت إلى معدلاتها الخطرة، وأن الظاهرة في مجملها تهدد المجتمع المدني، لا فرق في ذلك بين معتدلين ومتطرفين.
وقالت ناقدة أدبية إن المشكلة ليست في تأويل النص (القرآني) ولكنها في النص ذاته. وأخذ ثالث على ثورة يوليو أنها أنشأت المؤتمر الإسلامي ومجمع البحوث الإسلامية. وذلك أدى إلى إطلاق يد المتطرفين، مما أدى إلى انهيار أركان النهضة في مصر وتراجع ثقافتها لتحل محلها ثقافة التطرف والخرافة والانحطاط.
"
هل لا بد لإنصاف الأقباط إضعاف الإسلام ومطاردة مظاهره في مصر؟ وهل هذا ممكن من الناحية العملية؟ وما تأثير هذه الدعوة على السلم الأهلي والتعايش المفترض بين المسلمين والأقباط؟
"
ودعا أحد الكتاب إلى إلغاء تدريس مادة التربية الدينية في المدارس. واحتجت إحدى الكاتبات على الاستشهاد بالنصوص الإسلامية في حث التلاميذ على الالتزام بالفضائل والقيم. وقالت إن الإشارات إلى الصدق أو الشجاعة أو البر بالوالدين في كتب المدارس ليس لها مرجعية أخلاقية أو وطنية، وإنما تعزز اعتمادا على نصوص إسلامية. واعتبرت أن تدريس النصوص التي تحث المسلمين على أي فعل حميد يغرس التفرقة بينهم وبين الأقباط، ونشرت إحدى الصحف قائمة بوصايا عشر للقضاء على الفتنة الطائفية اقترحها أستاذ جامعي.
من هذه الوصايا نزع الملصاقات الدينية من حوائط الدواوين الحكومية، ومنع إقامة الصلوات في أماكن العمل، مع إلغاء منحة التأخير للأقباط يوم الأحد. منها أيضا منع أي نشاط اجتماعي لدور العبادة، وتسليم المستوصفات ودور الحضانة إلى الحكومة لتدار دون أن تكون لها أي هوية دينية. منها كذلك منع نشر أي فتاوى دينية في وسائل الإعلام التابعة للحكومة، وإلغاء الصفحات الدينية، والتوسع في إقامة نوادي الشباب ومنع ممارسة أي نشاط ديني بها... إلخ.
إلى جانب كل إلغاء لحضور الدين أو مظهر له في المجتمع فثمة اتفاق بين هؤلاء جميعا وأمثالهم على المطالبة بإلغاء المادة الثانية للدستور، التي تنص على أن دين الدولة الرسمي هو الإسلام وأن مبادئ الشريعة تعد المصدر الرسمي للتشريع في مصر، وهو المبدأ المستقر في الدستور المصری منذ عام 1923، وظل مكانه ثابتا في كل الدساتير اللاحقة التي صدرت طوال الـ28 عاما التالية، لا يستثنى من ذلك إلا دستور 1958 الذي صدر في عهد الوحدة بين مصر وسوريا (المستشار طارق البشرى اعتبر أن وجود المادة الثانية بصيغتها الحاضرة يحقق الإسناد الشرعي الإسلامي لمبدأ المساواة التامة بين المسلمين والأقباط في جميع المجالات، بمعنى أنها توفر مرجعية إسلامية لكل المبادئ الواردة بالدستور المتعلقة بالمواطنة والمساواة).
(4)

"
حصر البحث عن حلول للمشكلة في حدود توجيه المطالب واللجوء إلى الإجراءات الحكومية لا يكفي لوأد الفتنة وإطفاء نارها, إنما يتعين أيضا النظر إلى البيئة السياسية الراهنة، التي افتقدت إلى الرؤية الإستراتيجية الواضحة "
سألت بعض المخضرمين في العمل السياسي: لماذا لم تطل الفتنة الطائفية برأسها في المرحلة الناصرية، ولماذا استشرت في المرحلتين التاليتين، اللتين تنسبان إلى الرئيسين السادات ومبارك؟ ولماذا لم تتحقق الوحدة الوطنية المنشودة رغم أن قانونا صدر لحمايتها في عام 1972؟ في ردهم قالوا إن وجود حكومة قوية في عهد الرئيس عبد الناصر، توفرت لها رؤية إستراتيجية واضحة، ومشروع وطني جامع.
هذان العاملان، كانا على رأس الأسباب التي شكلت بيئة سياسية لم تسمح بظهور الفتنة الطائفية. (قال لي السيد سامي شرف مدير مكتب الرئيس عبد الناصر أنه بتوجيه من الرئيس كان يجتمع يوم الاثنين من كل أسبوع مع الأنبا صمويل -أحد أساقفة الكنيسة- للتفاهم حول مختلف الأمور العالقة بين المسلمين والأقباط). وحين لم تتوفر تلك البيئة في المرحلتين التاليتين فإن الرئيس السادات حاول أن يستعيض عنها بالإجراءات، التي تمثلت في قانون الوحدة الوطنية.
هذا التحليل إذا صح فإنه يعني أن حصر البحث عن حلول للمشكلة في حدود توجيه المطالب واللجوء إلى الإجراءات الحكومية لا يكفي لوأد الفتنة وإطفاء نارها. إنما يتعين أيضا النظر إلى البيئة السياسية الراهنة، التي افتقدت إلى الرؤية الإستراتيجية الواضحة والمشروع الوطني المعبر عن طموحات الجماهير وأشواقها، مما أسلم المجتمع إلى تيه أوصل الناس إلى ما وصلوا إليه الآن من تفكيك وتخبط.
وهذه هي الفتنة الكبرى التي لا يريد أحد أن يتحدث فيها، لأن ذلك ينقل الحوار من مستوى السجال الطائفي إلى أفق النقد السياسي. وهى حدود عندها يتوقف الكلام المباح.

المصدر: الجزيرة

الحقوق محفوظة لـ - مدونة المرايا المستوية | الإخوان المسلمون