‏إظهار الرسائل ذات التسميات رسالة الأستاذ المرشد. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات رسالة الأستاذ المرشد. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 3 ديسمبر 2010

الدعوة إلى الله بين الأخذ بالأسباب وانتظار النتائج




رسالة من أ.د. محمد بديع المرشد العام للإخوان المسلمين
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه، ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.. أما بعد:
لا شك أن الدعوة إلى الله- عزَّ وجلَّ- بكل أبعادها تقوم على ضوابط أساسية مستمدة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فلقد كلَّفنا الله- عزَّ وجلَّ- بالدعوة إليه، وحمَّلنا هذه المسئولية المهمة، وأكد سبحانه وتعلى أنه لا يكلف نفسًا إلا وسعها، إذًا فالدعوة إلى الله سبحانه وتعالى واجبة بكل صورها المتعددة ووسائلها المتنوعة، ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (النحل: من الآية125) حسب طاقة كل فردٍ مسلم مكلف رجلاً كان أو امرأة، ولا يُعفى من ذلك حتى أصحاب الأعذار ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (91)﴾ (التوبة)؛ لأن هذا التكليف امتداد لتحمُّل مسئولية الإسلام ذاته منذ أن أسلمنا لله رب العالمين ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108)﴾ (يوسف)، بل إن الجن فهمت هذا التكليف بمجرد أن قرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن، ونفذوا هذا التكليف فورًا ﴿فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ (الأحقاف: من الآية29).

وقد قام الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم بهذا التكليف الإلهي في كل الظروف والأحوال، ومستفيدًا من كل الإمكانيات المتاحة، وحتى كان وهو في مكة المكرمة ومعه المسلمون تحت كل ظروف الظلم والاضطهاد يقول "من يؤويني حتى أبلغ دعوة ربي؟"، ودخل في جوار المطعم بن عدي، وهو مشرك مستفيد من إحدى قيم المجتمع الجاهلي الإيجابية التي تقضي باحترام الجوار، وتحالف مع كل القوى الفاعلة في المجتمع، رغم اختلافها من أجل هدفٍ نبيل، وهو رفع الظلم عن كل مظلوم كائنًا مَن كان، فدخل في حلفٍ يلتزم كل الأطراف فيه بهذه الفضائل "حلف الفضول في دار عبد الله بن جدعان".

واستفاد صلى الله عليه وسلم من تجمع العرب من كل القبائل عند بيت الله الحرام، وكذلك تجمعات الأسواق، سواء كانت أسواق بضائع أو أسواق أدب وأشعار، وقد سبقه نموذج نبي الله نوح عليه السلام المذكور في القرآن الكريم، والذي قام باستخدام كل وسائل الدعوة تحت أي ظرف، ورغم كل الضغوط.. ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (5)﴾ (نوح) ﴿ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (8)﴾ (نوح) ﴿ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (9)﴾ (نوح).

وقد قامت أجيال المسلمين بأداء تكليف الله بحمل الرسالة وتبليغها جيلاً بعد جيل، وكما بشَّر رسول الله صلى الله عليه وسلم "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين"، وهو أيضًا صلى الله عليه وسلم بشرنا بأن هذا النموذج القدوة سيظل يحمل الأمانة والرسالة حتى يوم القيامة مهما صادفهم من صعاب ومضايقات، ومهما وضع في طريقهم شياطين الجن والإنس من العقبات "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك"، والكلمتان المذكورتان في حديث من أوتي جوامع الكلم صلى الله عليه وسلم ليستا مترادفتان، بل إن لكل واحدة من الكلمتين معنى نحتاجه في طريق دعوتنا، يلخص مشكلة من أهم المشكلات التي تواجه العمل الجماعي:
الكلمة الأولى (خالفهم) أي لم يسر معهم من البداية مختلفًا مع سبيلهم الذي يسلكونه لتبليغ دعوة ربهم.

أما الكلمة الثانية (مَن خذلهم) فهي كلمة موحية أخرى تعني أن هناك مَن سيسير معهم شوطًا من طريق الدعوة إلى الله، ثم ينصرف عن مواصلة العمل معهم سواء في ظروف ابتلاء شدة أو ظروف فتنة رخاء.

وقد حدث هذا لهذه الجماعة المباركة على طول طريقها وعمرها الممتد طولاً وعرضًا جغرافيًّا وتاريخيًّا تمامًا كما نبَّأ الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم.

وقد شرب الأستاذ البنا رحمه الله من هذا النبع الصافي، وأرشد أتباعه وهو المرشد الأول لهذه الجماعة لاتباع نهج رسول الله صلى الله عليه وسلم في بذل أقصى الجهد، مع الإخلاص والتضحية مع الترابط الوثيق لكل أفراد الجماعة، حتى يكونوا كالبنيان المرصوص يستعصي على مناوئيه النيل منه.

ولكنَّ الله- عزَّ وجلَّ- لم يُكلفنا بالنتائج؛ لأنه أحيانًا كثيرة لا تأتي النتائج حسب رغباتنا بعد بذل أقصى الجهد فتُصاب النفس البشرية بشيء من اليأس، ولكن تأتي التسرية عن قدوتنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عندما وُوجه بمضايقاتٍ بل واعتداءات وأشدها يوم الطائف، رغم أنه ما ذهب إلى الطائف إلا لدعوتهم إلى الله ورضوانه وبلا مقابل إلا أنه يحب لهم الهداية "اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون" ﴿وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾ (غافر: من الآية 41)، ﴿فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ﴾ (يونس: من الآية 72)، فقال له ربه- عز وجل-: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآَيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (33)﴾ (الأنعام)، وقال له سبحانه وتعالى أيضًا: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاغُ﴾ (الشورى: من الآية 48).

ونحن نشهد أنه صلى الله عليه وسلم قد بلَّغ الرسالة وأدَّى الأمانة على خير ما كُلِّف به، ونسأل الله- عزَّ وجلَّ- أن يجزيه عنا خير ما جزى نبيًّا عن أمته، وقد حكى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن النبي من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم يبعث يوم القيامة ولم يستجب له أحد، وها هو نبي الله نوح أطول الأنبياء والمرسلين عمرًا، ومن أولى العزم لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا فما استجاب له على أرجح الأقوال إلا قليل.

وقد فصَّل الله- عزَّ وجلَّ- بين الأخذ بالأسباب والنتائج في قوله ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ) (الملك: من الآية 15)، وقد حفر رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق هو وأصحابه الكرام- رضوان الله عليهم- ولم تدر معركة حوله، ولكن جاءتهم النتيجة نصرًا من الله بالريح، ولم يكن ذلك في حسبانهم، وقد وضع صلى الله عليه وسلم خطة غاية في الإتقان والأخذ بالأسباب في رحلة الهجرة، ولكن وصل الكفار إلى الغار وجاءه وصاحبه نصر الله من خارج الخطة بخطف أبصار الكفار.

وإخواننا المجاهدون في فلسطين وأمثالهم في كل مكانٍ يتحملون أصعب المشقات ويأتيهم عون الله ونصره من حيث لا يحتسبون بعد تمام أخذهم بالأسباب، والأمثلة كثيرة، ولكن الخلاصة التي نسأل الله أن ينفعنا بها في ديننا ودنيانا في هذا الموضوع هي:
1- إخلاص النية لله، فبها نُؤجِّر ونوفق ونُنصر.
2- إذا حدث ما نتمناه حمدنا الله- عزَّ وجلَّ- على فضله وتوفيقه.
3- إذا لم يحدث ما كنا نتمناه فقد وقع أجرنا على الله، ونسأله أن يُقدِّر لنا الخير؛ حيث كان ثم يرضينا به.
4- الاستمرار في أداء الواجب على كل حال بعد التأكد من سلامة الأخذ بالأسباب، وبذل أقصى الجهد يؤكد أن العمل لله لأنه ما كان لله دام واتصل.
5- لا نزال نذكر موقف أمنا هاجر وهي تأخذ بالأسباب سبع مرات، وفي كل مرة لا تحدث النتيجة التي ترجوها، ولكنها تستمر حتى يتحقق ما أراده الله لها من خيرٍ وفير.
6- لا نزال نُذكِّر وصية رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لنا أنه "إذا قامت القيامة وفى يد أحدكم فسيلة فليغرسها"، فها هي نهاية الدنيا بل والفسيلة تعني زرع نخلة لا تُؤتي ثمارها إلا بعد سنين طويلة، وليس هناك أية نتيجة متوقعة إلا استمرار الإيجابية والقيام بالواجب والحصول على الأجر.

أيها المسلمون في كل مكان.. ويا أبناء الدعوة من الإخوة والأخوات، رزقنا الله وإياكم دوام الإخلاص ودوام العمل ودوام الإتقان ودوام الرجاء ودوام القبول، فسيروا على بركة الله.. والله يوفقكم ولن يتركم أعمالكم، وسيجزيكم أجركم بإذنه سبحانه بأحسن ما كنتم تعملون.
والله أكبر ولله الحمد.. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الجمعة، 6 أغسطس 2010

رمضان.. منطلق البناء والتغيير


فضيلة الأستاذ الدكتور محمد بديع
رسالة من أ. د. محمد بديع- المرشد العام للإخوان المسلمين
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد..

فإن الأمة الإسلامية عامةً والمنطقة العربية بصفة خاصة تمرُّ بمرحلة عصيبة، لم تمر بها من قَبْل؛ حيث تتألَّب عليها قوى الشر والباطل، وتلقي بكلِّ ثقلها؛ من أجل تثبيت نبتة خبيثة في أرض طيبة مباركة، وبارك من حولها، ولكونها طيبة مباركة فهي تنفي خبثها وتجتثه من جذوره.

وفي تلك الفترة من التاريخ تمَّ غزو أفغانستان، واحتُلَّت العراق، وتُنهب الثروات، وتُشرد الشعوب، ويُقتل مئات الآلاف من الأبرياء من الأطفال والنساء والشيوخ، وتُغتصب النساء ويُعْتَدَى على المقدسات، ناهيك عن ما يقع في باكستان وكشمير والصومال واليمن بإيعاز من قوى الشر العالمية، والممثلة في الصهيوأمريكية، ومن يحالفهم من العملاء، ويمنحهم صك التدخل والعدوان..

وكان من ثمار ذلك:
- أزمة اقتصادية عالمية تأتي على الأخضر واليابس، ولا تبقي ولا تذر.. واصطلت البشرية بِنَارِها.. وماذا بعد أن تصير ديون أمريكا بأرقام فلكية.. وتشهر دول إفلاسها، وتعلن المئات من البنوك إفلاسها كذلك.

- يأس قاتل لا يُرَى معه بارقة أمل في الإصلاح.. ألقى بظلاله على الحكام، فجعلهم يستسلمون لكل ما يملى عليهم، ويَقْبَلُون بالذلِّ والعار، ولا ينهضون لمقاومة الغاصب المحتل.. وَلَيْتَهَم حين يستسلمون يتركون لشعوبهم حق الحياة والحرية والمقاومة، بل يضربون على أيديهم بعصا غليظة من حديد؛ لتمنعهم حقهم في المقاومة المشروعة بل وتسلب حريتهم.

- انحدار أخلاقي، وضياع للقيم الفاضلة والمثل العليا.

- ضياع الأمن والأمان في ربوع العالم.

- شقاء ونكد لا يعلم القوم له سببًا، لكن الله أعلمنا ذلك في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (126)﴾ (طـه).

والواقع خير شاهد على أن هذه القوى العالمية التي تريد أن تسيطر على العالم فاسدة في كلِّ توجهاتها، وهابطة في كلِّ قيمها، وكل مشاريعها منهزمة عسكريًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا وأخلاقيًّا، والهزيمة تلاحقهم في كلِّ أرض نزلوا بها، وسوف يخرجون من فلسطين وأفغانستان والعراق تمزق أكبادهم الحسرات على ما أنفقوا من أموال، وتكون عليهم الحسرة مع ما ينتظرهم من عذاب أشد وأبقى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (36)﴾ (الأنفال).

أيها المسلمون في كلِّ مكان... أيها الناس أجمعون! هذا جانب ضئيل لبعض ما آل إليه حال العالم من ضيق وضنك، والجميع يبحث عن منقذ ينتشله من الردى، ومنفذ يخرجه من الظلمة.. وغاب عنهم أن المنقذ بين أيديهم، وأن علاجهم من بين جنباتهم.

إنه الإسلام دين الرحمة والعدالة والمساواة والحرية.. والقيم العليا والفضائل المثلى.

إنه القرآن الكريم رسالة الله الخالدة: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (42)﴾ (فصلت).

إنه الرسول الخاتم، الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، والسراج المنير: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (الأنبياء: من الآية 107).

شهر رمضان منطلق التغيير:
إن طريق الإصلاح يبدأ من النفس، والإصلاح الذي ننشده ليس بعسير، وليس عنَّا ببعيد، إنه يتحقق بإصلاح أنفسنا التي نحملها بين جنوبنا، نصلحها بأن نأخذ بزمامها إلى ما يرضي الله، فيغير الله كل شيء حولنا، وصدق الله: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ)(الرعد: من الآية 11)، فواجب كل مسلم ومسلمة أن يعرف ربه، وأن يُصْلِح نفسه، وأن يدعو غيره لهذا الخير.

وشهر رمضان الذي بدأت نسماته تطل علينا من بعيد، تحمل في طياتها كل معاني التغيير، وكل مقومات بناء النفس بداية من تطهيرها من ذنوبها وآثامها، ويصل بها إلى أعلى درجات التزكية ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10)﴾ (الشمس).

إنه شهر الصوم، وشهر القرآن، وشهر القيام، وشهر الصبر.. كما أنه من أعظم مواسم الطاعات، فيه صنوف من العبادة تختص به، ويختص بها، وهي جمال لأوقاته، وزينة لساعاته، وحلية لأيامه ولياليه، والطاعة مذاقها حلو في كلِّ وقت، وهي في هذا الشهر أحلى، وثوابها عند الله أعظم وأجزل.

شهر رمضان شهر تربية وطهارة ونصر:
- فالصوم تحرير من سطوة الغرائز: لقد فرض الله الصيام، ليتحرر الإنسان من سلطان غرائزه، وينطلق من سجن جسده، ويتغلب على نزعات شهواته، ويتحكم في مظاهر حيوانيته، ويتشبه بالملائكة، فليس عجيبًا أن ترتقي روح الصائم، ويقترب من الملأ الأعلى، ويقرع الصائم أبواب السماء بدعائه فتفتح، ويدعو ربه فيستجيب له، ويناديه فيقول: لبيك عبدي لبيك.

ولعل ذلك يفسِّر لنا أن آية الدعاء تتخلل آيات الصيام: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186)﴾(البقرة).

الصوم مُطَهِّر من الذنوب: وكيف لا يستجاب للمسلم والصوم يطهره تطهيرًا.. فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ- رضي الله عنه- عَنِ النَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ".

في الصوم ارتقاء بالأخلاق: والصوم يزكّي النفس المسلمة، ويسمو بأخلاقها؛ حيث يدعوه إلى الترفع عن الصخب والرفث، وألا يَرُدّ الشتم والمقاتلة بمثلها، بل بالتذكير بقيمة الصوم، فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله: "وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ، فَلاَ يَرْفُثْ وَلاَ يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ، أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ..".

كما يدعوه إلى الترفع عن قول الزور والعمل به (ومنه تزوير الانتخابات)، وعدم مساعدة الظلم أو دعم الباطل حتى يُجْنِي ثمار صيامه، وبَيَّن أنه كم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش، فعن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ".

وفي ذلك يقول الشاعر:
إذا لم يكن في السمع مني تصامم          وفي مقلتي غض وفي منطقي صمت
فحظي إذن من صومي الجوع والظما             وإن قلت إني صمت يومًا ما فما صمت
ورمضان شهر القرآن الكريم: وفي رمضان نزل القرآن الكريم؛ ليُخْرِج الناس من الظلمات إلى النور؛ وليهديهم إلى الصراط المستقيم، ويضع بين أيديهم المنهج الكامل، والدستور الدائم لكلِّ جوانب الحياة، وفي رمضان يُقْبِل الناس على المساجد والبيوت، على تلاوة القرآن الكريم وترتيله، وكذلك مدارسته وتعليمه وترجمة ذلك إلى عمل، وفي ذلك صقل للنفوس، وتهذيب للأخلاق، وتحلي بالقرآن، وقد كان هذا هو خلق رسول الله، فعَنْ أَبِي الدَّرْدَاء، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ "فَقَالَتْ: "كَانَ خَلْقُهُ الْقُرْآنَ، يَغْضَبُ لِغَضَبِهِ، وَيَرْضَى لِرِضَاهُ".

إن العالم الإسلامي في رمضان المبارك يتحوَّل إلى ما يُشبه المسجد، ويا له من مسجد عظيم تعج كل زاوية من زواياه، بل كل ركن من أركانه، بملايين الحفّاظ للقرآن الكريم. يرتلون ذلك الخطاب السماوي على مسامع الأراضين، ويَظْهَرون بصورة رائعة براقة، مصداق الآية الكريمة: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ (البقرة: من الآية 185).

وفي رمضان قيام الليل: ولقيام الليل فضل عظيم لا يفوقه سوى فضل الصلوات المكتوبة فحسب، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ- رضي الله عنه- يَرْفَعُهُ قَالَ: سُئِلَ أَيُّ الصَّلاَةِ أَفْضَلُ بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ؟ وَأَيُّ الصِّيَامِ أَفْضَلُ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ؟ فَقَالَ: "أَفْضَلُ الصَّلاَةِ بَعْدَ الصَّلاَةِ الْمَكْتُوبَةِ الصَّلاَةُ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، وَأَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ صِيَامُ شَهْرِ اللَّهِ الْمُحَرَّمِ"، وعَنْ أَبِى مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ غُرْفَةً، يُرَى ظَاهِرُهَا مِنْ بَاطِنِهَا، وَبَاطِنُهَا مِنْ ظَاهِرِهَا، أَعَدَّهَا اللَّهُ لِمَنْ أَطْعَمَ الطَّعَامَ، وَأَلاَنَ الْكَلاَمَ، وَتَابَعَ الصِّيَامَ، وَصَلَّى وَالنَّاسُ نِيَامٌ".

وقيام رمضان طهارة من الذنوب، فعن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ- صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ فِي رَمَضَانَ: "مَنْ قَامَهُ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ".

وكان في سالف الأزمان يصعد المؤذن المنارة، وينشد:
يا رجال الليل جدوا       رب صوت لا يردُّ
ما يقوم الليل إلا          من له عزم وجدُّ
شهر رمضان شهر الجهاد:
ويبقى شهر رمضان؛ ليمنح المسلمين القوة، ويذكرهم ببدر، وإن أعداء الله ليخشون المواجهة مع المسلمين في رمضان؛ لأنهم على يقين من أن رمضان يمدُّ المسلمين بقوة لا تكون لهم في غير رمضان، ولقد كان الروس يتطيرون من رمضان؛ لأنه جرَّ عليهم في السابق ضربات موجعة، ويخشون من أن يهل عليهم شهر الجهاد وهم لا يزالون في مواجهة مع المسلمين فتنزل بهم الهزيمة.

إن رمضان ليس شهر استسلام وخمول، بل هو شهر صبر يمنح المسلم زاد الجهاد، فأول عدة للجهاد هي الصبر والإرادة القوية، فإن من لم يجاهد نفسه هيهات أن يجاهد عدوًا، ومن لم ينتصر على نفسه وشهواتها، هيهات أن ينتصر على عدوه، ومن لم يصبر على جوع يوم، هيهات أن يصبر على فراق أهل ووطن من أجل هدف كبير، والصوم بما فيه من الصبر، وفطام للنفوس من أبرز وسائل الإسلام في إعداد المؤمن الصابر المرابط المجاهد، الذي يتحمل الشظف والجوع والحرمان، ويرحب بالشدة والخشونة وقسوة العيش، ما دام ذلك في سبيل الله.. والتاريخ شاهد أن جُلَّ المعارك الكبرى كانت في هذا الشهر المبارك، بدر الكبرى، وفتح مكة، وموقعة بلاط الشهداء سنة 114هـ - 732م في بواتييه بفرنسا، ومعركة عين جالوت سنة 658هـ - 1260م في فلسطين.

ولقد أدرك هذه الحقيقة أعداؤنا فيعلل المستشرق «نيكلسون» سر انتصار المسلمين في بدر على قِلَّتهم تعليلاً جزئيًّا بقوله: "لقد كان انتصار محمد على قريش الوثنيين أمرًا طبيعيا بدهيًّا؛ لأن الرسول كان يُعَلِّم أتباعه النظام العسكري والجندية الكاملة خمس مرات في المسجد، ولا شك أن الفكرة العسكرية ملحوظة في الصلاة.. ولا شك أن لها آثارها ونتائجها، ولكنْ هناك روح خفيَّة أخرى يرجع إليها هذا الانتصار الباهر، ألا وهي روح الإرادة التي أشعلها في نفوس المسلمين شهر رمضان الذي وقعت خلاله هذه المعركة الإنسانية الكبرى، وأن الأرواح التي حاربت في صفِّها الملائكة لا بد أن تكون قد بلغت من الصفاء والإيمان والتجرد والإخلاص حدًّا ما كان ليستنزل جند السماء من السماء إلا لملائكة البشر الذين ربَّاهم رسول الله في مدرسة الوحي، وفي معهد القرآن، وبين جدران المسجد، وذلك يشع من قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (123)﴾ (آل عمران: 123).

ذلكم هو الصوم في الإسلام، لم يشرعه الله تعذيبًا للبشر، وكيف هذا وقد جاء في آيات الصوم قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون﴾ (البقرة: من الآية185).

وإنما شرعه الله إيقاظًا للروح، وتصحيحًا للجسد، وتقوية للإرادة، وتعويدًا على الصبر، وتعريفًا بالنعمة، وتربيةً لمشاعر الرحمة، وتدريبًا على كمال التسليم لله رب العالمين.

تقبَّل الله منَّا ومنكم صالح الأعمال، وجعلنا جميعًا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.. وكل عام وأنتم في طاعة.. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الجمعة، 23 يوليو 2010

المرشد العام للإخوان المسلمين: استلهام السيرة النبوية طريقنا لتحرير فلسطين




دعا فضيلة الأستاذ الدكتور محمد بديع المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين، الأمة الإسلامية إلى أن تتعلم الدرس من السيرة النبوية المباركة، وألا تتلكأ في العمل الجاد لتحرير فلسطين، وأن تدرك أن الصهاينة لا يعرفون غير الحيل والألاعيب وفنون المكر المختلفة في التعامل مع غيرهم.

وشدد في رسالته الأسبوعية تحت عنوان "تحويل القبلة.. ودور الأمة نحو الأقصى" على أهمية التعريف بقضية فلسطين وجذورها التاريخية، وبيان حقيقة الصراع مع الصهاينة، وتأكيد أن لكل فرد من الأمة دوره في هذا المضمار، وليس لأحد حُجَّة في التخلف والتخاذل والتراخي.

وطالب بمواجهة الإحباط واليأس الذي قد يتسرب إلى قلوب الجماهير، وبث الأمل في النفوس، وتأكيد الثقة بالله سبحانه وتعالى، وإعادة الثقة بالنفس فرديًّا وجماعيًّا، وبقدرة الأمة على المواجهة الإيجابية، والدعوة إلى تحويل المشاعر والعواطف تجاه ما يحدث في فلسطين إلى أفعال إيجابية ومؤثرة، وإشاعة روح الجهاد في الأمة، وتأكيد أهمية التربية للفرد وللمجتمع، وتأكيد أن هناك حسابات ومعايير أخرى للنصر، إضافةً إلى الحسابات والمعايير المادية الظاهرية.

وأضاف: "حَرِيٌّ بالأمة اليوم أن تحسن قراءة حادثة تحويل القبلة، وأن تتعلم منها كيف تواجه أعداءَها وخصومها، وتبطل- بإذن الله- كيدَهم، حتى لا تكون فتنة، ويكون الدين كله الله"، مشيرًا إلى أن حَدَث تحويل القبلة من المسجد الأقصى المبارك إلى الكعبة المشرفة، يذكِّرنا بالقدس تلك المدينة المباركة التي يدور حولها هذا الحدَث العظيم، والتي تستصرخ ضمائرَ المسلمين وضمائرَ الأحرار في هذا العالم؛ لاستنقاذها من أيدي الصهاينة، الذين يغيّرون معالمها، ويطردون أصحابها، ويحاولون تزويرَ تاريخها، وطمس هويتها العربية الإسلامية، ولن يبلغوا مرادهم- إن شاء الله- ما دام المجاهدون في فلسطين يقبضون على سلاحهم، وما دامت الأمة من ورائهم داعمةً ومؤيدةً للحق الأصيل.

وأشار المرشد العام إلى أن توجيه المسلمين في البداية إلى بيت المقدس كان له حكمةٌ تربويةٌ بالغةٌ، فلم يكن سهلاً على العرب الذين ارتضوا حب البيت الحرام، وعدُّوه شعار مجدهم؛ أن يتجهوا بسهولة إلى قبلة أخرى غير الكعبة، لكنهم انقادوا لأمر الله، وأنه لما امتحن اللهُ قلوبَهم للتقوى واستسلامَهم لأمر الله صرف الله رسوله صلى الله عليه وسلم والمسلمين إلى الكعبة، ليعود بالدعوة إلى أصلها.

وأضاف: "لقد كان تحويلُ القبلة سببًا في تمييز المواقف، وافتضاح أمر الأعداء، وبخاصة اليهود وإخوانهم من المنافقين، الذين لم يألوا جهدًا في الشغب على الإسلام والمسلمين؛ فإنهم كانوا يتخذون من توجُّه النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس في الصلاة ذريعةً للاستكبار عن الدخول في الإسلام، والادِّعاء بأنهم هم الأصل، فلما نزل الأمرُ بالتحوّل إلى البيت الحرام عزَّ عليهم ذلك، ودفعهم الحسدُ إلى الانطلاق لمحاولة بث الفتنة، فأطلقوا أبواقَهم من المنافقين لإلقاء بذور الشك بين المسلمين في قيادتهم المعصومة، وفي أساس عقيدتهم الرشيدة السديدة، والادعاء بأن محمدًا صلى الله عليه وسلم لا يتلقى الوحيَ من الله، وإنما يأتي بالدِّين من تلقاء نفسه"!.

ودلل المرشد العام على موقفهم بخُبْث مقاصدهم، وكشف أن الحقد والهوى والتعصب للباطل يحملهم على أن يقولوا ويفعلوا غير ما يستوجبه الحق المعلوم، وأن موقفهم من الإسلام ونبيه ليس مُؤَسَّسًا على جهلهم بحقائقه أو عدم اقتناعهم بطرق عرضه، كما يتصور بعضُ المسلمين، فهم لا ينقصهم الدليل، إنما ينقصهم الإخلاصُ والتجرُّدُ من الهوى، والاستعدادُ لقبول الحق متى ظهر.

وتساءل: "هل ترى أي فرق بين ما صنعه أولئك اليهود وإخوانهم المنافقون وما يصنعه الصهاينة اليوم- ومن ورائهم الطابور الخامس في قلب أمتنا الإسلامية- في فلسطين وعلى امتداد العالم، من شقٍّ للصفوف، وتزوير للحقائق والتشكيك في الثوابت، وسعي لإلباس الحق ثوب الباطل، ونصب للفخاخ في طريق الوحدة الإسلامية، وزرع للأشواك على طريق التعاون العربي والإسلامي، وإرهاب إعلامي لكل المناصرين للحق والداعمين للمقاومة من مختلف شعوب الأرض، واستغلال للإمكانيات الهائلة لقوى الضغط العالمية، لتمرير مشروعهم الزائف على الرأي العام العالمي".

وقال: إن أحداث سيرة سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم لا تزال أنوارُها على الأيام تزداد تلألؤًا، وتفيض حياةً وبركةً، كلما أعاد الناسُ النظرَ في أحداثها ازدادوا إيمانًا ويقينًا، وكلما أرجع العاقل فيها البصر رجع مستضيئًا مستنيرًا".

الأحد، 13 يونيو 2010

فتح القسطنطينية.. وصناعة النصر




بقلم: أ. د. محمد بديع
الحمدُ لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اقتفى أثره واهتدى بهداه... وبعد،،
فمن أعز أيام الأمة التي تستحق أن يُحتفل بها ويُستفاد منها يوم فتح القسطنطينية؛ ذلك الأمل العظيم الذي جاهدت في سبيل تحقيقه أجيال كثيرة ودول متعاقبة من المسلمين؛ لتحقيق النبوءة النبوية الكريمة بفتح هذه المدينة العظيمة التي قال نابليون: "لو كانت هناك دولة واحدة لكانت القسطنطينية أصلح المدن؛ لتكون عاصمة لها".

وشاء الله أن يتحقق الوعد النبوي الكريم بفتحها بعد 7 قرون ونصف القرن، على يد السلطان الشاب محمد الفاتح سنة 753هـ/ 1453م، فتجدَّد بفتحها أمل المسلمين، بعد التراجع الذي كان قد أصابهم في الأندلس؛ ليؤذن بقيام دولة إسلامية عالمية قوية ترفع راية الإسلام وتجاهد خصومه لقرون عديدة.

وفي ظلال هذه الذكرى؛ فإن الأمة مدعوة لإعادة قراءة الحدث واستخلاص الدروس والعبر، ومنها على سبيل المثال:
1- لقد كان عمر السلطان محمد الفاتح يوم أن رتَّب لمعركة الفتح وخاضها وانتصر فيها؛ ثلاثة أو أربعة وعشرين عامًا، لكنه كان يحمل في قلبه رسالة عظيمة وشجاعة فائقة وطموحًا غير محدود وعزيمة لا تلين، وعندما رفض قسطنطين تسليم المدينة له قال السلطان الفاتح: "حسنًا، عن قريب سيكون لي في القسطنطينية عرش أو يكون لي فيها قبر".

وقد نشأ ذلك عن تربية إيمانية فائقة نالها هذا الشاب المجاهد، فقد ختم القرآن في سن مبكرة، ونشأ على حب الالتزام بالشريعة، وملأ خياله حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "لَتُفْتَحَنَّ الْقُسْطَنْطِينِيَّةُ، فَلَنِعْمَ الأَمِيرُ أَمِيرُهَا، وَلَنِعْمَ الْجَيْشُ ذَلِكَ الْجَيْشُ" (أحمد وصححه الحاكم)، وحدثته نفسه منذ وقت مبكر بأن يكون هو الأمير الذي امتدحه النبي صلى الله عليه وسلم.

وقد عرف عنه اهتمامه الواسع بالعلوم والآداب ودراسته العميقة للتاريخ وسير العظماء، وإتقانه العجيب لعدد من اللغات العالمية، وحبه الكبير وتشجيعه غير المحدود لنشر العلوم وتكريم العلماء.

فقدَّم هذا الرجل العظيم صورةً مثاليةً وقدوةً عمليةً للشباب المتطلع لخدمة دينه ورسالته وأمته؛ فهل يدرك شبابنا هذا المعنى ويقتدون بهذا المثل الرائع؟

2- إن هذه التربية التي نالها محمد الفاتح لم تكن من فراغ، وإنما كانت من عمل العلماء الربانيين الذين تهيأت لهم الأسباب في الدولة العثمانية؛ لتربية الأفراد والجنود والقادة والشعب على مبادئ الإسلام وقيم الرجولة والشرف والكرامة، فلم يكن محمد الفاتح إلا واحدًا من ثمار غرسهم الرائع، ولم يكن لينجح وحده في تحقيق الفتح الكبير لولا أن هؤلاء العلماء الربانيين هيئوا الشعب والجيش من خلال تربيته على معاني الإيمان والتقوى، وتحمل الأمانة وأداء الرسالة المنوطة به، ولقد تربَّى الشعب والجيش على العقيدة الصحيحة والمبادئ الفاضلة التي ولدت فيهم الحماسة القوية وملأت نفوسهم بالعزيمة الصادقة.

وهذا ما يجب على الأمة أن تعيه فتطلق يد الدعاة الناصحين لتربية الأمة وتبصير الشباب برسالتهم وحفزهم إلى معالي الأمور، واستنقاذهم من مسارب الرذيلة ومهاوي الانحراف وتفاهة الاهتمامات، وعلى الدعاة أن يؤدوا رسالتهم في ذلك على أكمل وجه، ولهم قدوة في الشيخين محمد بن حمزة المشهور بـ(آق شمس الدين)، وأحمد الكوراني، فقد كانا من أهم الشيوخ الذين كان لهم أثر على محمد الفاتح.

3- إن هذا الفتح العظيم لم يحصل مصادفة ولا لمجرد بث الحماسة في النفوس، ولا لمجرد ضعف الدولة البيزنطية؛ بل إن السلطان محمد الفاتح تابع جهود والده السلطان العادل مراد الثاني في اتخاذ كل التدابير اللازمة للفتح العظيم، فاهتم بإقامة القلاع والحصون، وجمع الأسلحة اللازمة، وأشرف بنفسه على إنشاء أضخم مدفع في عصره، وبذل عناية فائقة بتزويد الأسطول العثماني بأكبر عدد من السفن المجهزة، ووضع سياسة خارجية في غاية الذكاء أدَّت إلى تحييد كثير من القوى المعادية من خلال المعاهدات؛ ليتفرغ لهدفه الأساسي ويُتِم إنجازه، ووضع بنفسه مع قواده الخطط الدقيقة المحكمة، والبدائل المحتملة، مع إرادة صلبة لا يتطرق إليها ضعف ولا وهن.

وكان يدرك أهمية تمتين الجبهة الداخلية، فبسط العدل، وشارك الشعب والجنود، واشترك بنفسه في العمليات العسكرية، ولم يتميز على شعبه وجنوده، فتعلقت قلوبهم به، وازدادوا همةً ونشاطًا وعزمًا تحت قيادته.

4- لما فتح محمد الفاتح القسطنطينية قدَّم صورةً عمليةً لحسن التعامل مع الآخرين، وهو في أوج عزته وسطوته وانتصاره، فقد أمر بحسن معاملة الأسرى، وافتدى كثيرًا منهم من ماله الخاص، وبخاصة الأمراء ورجال الدين النصارى.

كما أقر بطريرك الكنيسة (الأرثوذكسي) الذي اختاره النصارى بكامل حريتهم على امتيازه وامتياز طائفته، وأعطى كافة ملل النصارى حقوقهم المدنية وحرياتهم الكاملة، ومنحهم الرعاية الشاملة، وتسجيل ذلك في قوانين السلطنة، وجعله عهدًا مُتبعًا في الدولة لا ينقض، تُعطى للبطارقة به الوثائق "الفرامين" السلطانية، خلافًا لما كان يعاملهم به الكاثوليك من القسوة والاضطهاد، بل إن اليهود الذين تعرضوا للاضطهاد في أوروبا لجئوا إلى الدولة العثمانية الذين آوتهم ووفرت لهم الحماية، فعاشوا في ظلها أحرارًا يمارسون عقائدهم بلا خوف ولا اضطهاد.

وقد فعل السلطان محمد الفاتح ذلك من منطلق التزامه الصادق بالإسلام العظيم، وتأسيه بالنبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين، الذين يعلمون أن حقوق غير المسلمين واجبٌ شرعيٌّ سيحاسبهم الله عزَّ وجلَّ عليه.

فهيا أيها المسلمون في كل مكان.. تحركوا بكل ما تملكون من وسائل وإمكانيات، وقدَّموا الصورة الحقيقية المشرقة للإسلام البريء كل البراءة من التهم الباطلة بالإرهاب والتطرف وانتقاص الحقوق.

ويا شباب الأمة.. اجعلوا نموذج محمد الفاتح وجيله قدوتكم، وابذلوا ما تستطيعون لإسلامكم، وانشروا دعوة الخير في العالمين، وأنتم يا شبابنا في بلاد الغرب والشرق كونوا سفراء الإسلام في هذه البلاد، وقدموا صورةً عمليةً لأخلاق الإسلام وحضارته ومبادئه التي فيها إنقاذ مستقبل البشرية من الضياع.

وأنتم يا حكام الأمة وقادتها.. اعلموا أن الكون لا يتحكم فيه الأمريكان، ولا يدير دفته الأوروبيون، بل إن الذي يدبر أمر الكون هو ملك الملوك سبحانه وتعالى، وثقوا بأن الشعوب إذا تربت على أخلاق الإسلام العظيمة ومبادئه القويمة فهي قادرة بإذن الله على كسب معاركها في كل الميادين، وكونوا على يقين أن أقصر الطرق لقلوب الشعوب هو العدل والحرية والكرامة وتحقيق الشورى وتطبيق شريعة الإسلام العظيمة في كل مناحي الحياة ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (44)﴾ (غافر)... والله أكبر ولله الحمد.. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
--------
* المرشد العام للإخوان المسلمين.

الخميس، 27 مايو 2010

الإسلام هو الحل.. فما الإسلام؟ وكيف يكون الحل؟

شعارٌ وفَّقنا الله لحمل أمانته، وهي ثقيلة كرمز جامع مانع أثناء الحملة الانتخابية، وهو يعبِّر عن مشروعنا أدق تعبير؛ ولكنه يحتاج إلى تفصيل لما أجمله وشروح لما تضمنه..
وابتداءً.. يجب تحرير المصطلح كما يقول العلماء؛ فما الإسلام الذي هو الحل؟


سؤال قد يبدو غريبًا حتى على المسلمين أنفسهم، ولكن اعذرونا، فقد هُوجمنا بأسئلة أبسط ما يُقال عنها إنها عدم فهم لهذا الدين الرباني الشامل؛ لذلك احتاج النهار إلى دليل.

الإسلام: ليس منهجًا بشريًّا، ولكنه منهج رباني أنزله مَنْ خلق النفس البشرية، ويعلم ما يصلح لها وما يصلحها ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (14)﴾ (الملك).. وأستدرك فأقول: إن المقدس فيه هو العقيدة وأصول الشريعة والأخلاق والمعاملات.. أما الفروع فهي تسمح بتعدد الآراء والاجتهادات، بل والنيات حسب الظروف والأحوال الخاصة والعامة، وترحب بالصالح النافع من كل مصدر إسلامي أو غير إسلامي "الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها" كما قال صلى الله عليه وسلم، كذلك لا توجد قداسة أو عصمة لبشر مهما بلغت درجته في المسئولية الدينية أو الحكومية أو الرئاسية، وليس معنى الإسلام هو الحل أن نخلط الفروع بالأصول والثوابت بالمتغيرات "نثبت المتغير فيحدث الجمود " أو "تغير الثابت فيحدث التحلل من القواعد والقيم"، وهذا أكثر ما وقع فيه بعض الجماعات قديمًا وكثير من الإعلاميين والصحفيين حديثًا.

وقد أوجزها وأجملها- وما أجملها- كلمة قالها الصحابي الجليل الحباب بن المنذر رضي الله عنه لمن هو خير مني ومنك ومن كل الرؤساء والزعماء والقادة (أهو منزل أنزلكه الله؟!) أي ثابت من الثوابت ليس مجالاً للرأي؟ (أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟) أي متغير من المتغيرات يسمح فيه بالاجتهاد والاقتراح حسب ضوابط الأصول؛ فقال صلى الله عليه وسلم: "بل هو الرأي والحرب والمكيدة"، أي شجعه على إبداء الرأي الذي هو فعلاً قد جهَّزه وجاء به- وهذه إيجابية ذاتية رائعة- وأذن ووافق على التعديل والتغيير ليكتمل التشريع بالتطبيق، وأمر بتنفيذه فورًا، وكان بفضل الله أحد أسباب النصر في غزوة بدر الكبرى.

والذين يدَّعون بأن حكمَ الإسلام حكمُ حكومة دينية، كلام وزرائها مقدس، لا يقبلون نصيحة، ويرفعون في وجه كل مخالف لهم في الرأي سيفًا معنويًّا بأن كلامنا بالآية والحديث أي لا نقبل نصيحة ولا توجيهًا.. هؤلاء مخطئون أو متعمدون لا يخوِّفون غير المسلمين بل المسلمين أنفسهم؛ عن التحاكم لشرع الله الذي قال عنه رب العزة: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65)﴾ (النساء).

هؤلاء قال الله عز وجل عنهم: ﴿أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّـهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (50)﴾ (النور)، أما الاجتهاد البشري فصوابٌ يحتمل الخطأ، أو حتى خطأ يحتمل الصواب.

زاوية عدم الفهم الثانية عن الإسلام، فهي أنه كلما ذكر الحكم بالإسلام كمنهاج حياة يشمل مظاهر الحياة جميعًا؛ تبادر إلى الذهن من كثرة التشويه المتعمد والتطبيق الخاطئ أنه دين الحدود وقطع يد السارق ورجم الزاني.. أليس هذا هو فهم الشريعة الإسلامية؟! ويعلم الله إنه لفهم قاصر ظالم لدين أنزله الله رحمة للعالمين، أي لكل الكائنات للإنس مؤمنهم وغير مؤمنهم، وللجن مؤمنهم وغير مؤمنهم؛ رحمةً للحيوانات وللطيور والنبات بل والجماد.

فإن الشريعة الغراء السمحة هي التي تقضي أول ما تقضي بتربية الإنسان على قيم وفضائل ثابتة، لا تخضع للأهواء ولا للأزمنة ولا للأمكنة.. وعندما يوجد الإنسان الصالح توجد معه كل أسباب النجاح، وأول قيم بناء الإنسان عبوديته لله (ولله وحده)، وتحريره من كل عبودية لغير الله، فلا يخاف إلا الله فينطلق في الكون يعمِّره ولا يخربه، يصلحه ولا يفسده.

ويكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سياجَ المجتمع كله؛ لحماية هذا الإنسان من نفسه وشيطانه، ومن هنا يبدأ الانتماء للمجتمع الذي يحرص على أبنائه ويحرص أبناؤه عليه.

اسمع قول الله عز وجل: ﴿وَاللَّـهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (27) يُرِيدُ اللَّـهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا (28)﴾ (النساء).

أليست هي الشرعية التي خاطبت الأسرى من الكفار ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الْأَسْرَىٰ إِن يَعْلَمِ اللَّـهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّـهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (70)﴾ (الأنفال)؟

أليست هي الشريعة التي تفرض على ثلاثة رأوا رجلاً وامرأة يزنيان رأي العين أن يستروا عليهما، وإذا تحدثوا بذلك عُوقبوا هم؟!!

أليست هي الشريعة التي قررت حرمة النفس البشرية وحرمة المال وحرمة العقل وحرمة العرض، وانظروا إلى أهمية الحرمة، أي إن هذا تحريم إلهي، ليس قرارًا بشريًّا بحماية أو بصيانة هذه الحقوق للغير، وهذا المناخ الإسلامي الطاهر سيعيش فيه، ويتمتع به كل من يستظل بظله، كما حدث بشهادة حتى غير المسلمين.

لقد عاش المسلمون والنصارى بل واليهود (الذين نعاني ويعاني إخواننا المسلمون منهم كل هذه المعاناة)، عاشوا في كنف عدل ورحمة الإسلام، وما زالت إحدى عشرة آية في القرآن تبرِّئ يهوديًّا مظلومًا، وتتهم مسلمًا ظالمًا؛ نتعبد بها إلى يوم القيامة.

وبعد ذلك تأتي الحدود التي وضعها تشريع الله لنا لعلاج حالات الانحراف الفردية؛ لأن البشر ليسوا ملائكة، ولقد حدث في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه ما يستوجب إقامة الحدود، ولكن من نفوس لوامة رجاعة إذا أخطأت اعترفت، فما احتاجت لكل هذه الرقابة الأمنية التي لا تجدي، بل إلى رقابة الضمير وتأنيبه؛ فجاءت هي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لتطلب التطهير، وانظروا إلى قول السيدة عائشة رضي الله عنها: "كان أول ما نزل من القرآن أن ذكر الجنة والنار حتى إذا ثاب الناس إلى ربهم نزلت آيات الحلال والحرام، ولو كان أول ما نزل من القرآن لا تقربوا الزنا لقال الناس لا ندع الزنا أبدًا".

وقضية ثالثة: أَعْتبرُها أمَّ المشكلات التي يعاني منها المجتمع وحلها هو الحل الجذري الناجع بإذن الله؛ ألا وهي اختيار القيادات، فهي ليست عملاً سياسيًّا ولا سياديًّا، ولكنها عبادة نتدرب عليها في المسجد عندما نتعلم صلاة الجماعة لاختيار الإمام وأولي الأحلام والنهى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، كما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا تدريب المجتمع كله على اختيار القيادات الصالحة؛ لأننا باختيارنا لها نستجلب رحمات الله علينا وعليها ونضيف صلاحها إلى صلاحنا.. أما إذا حدث العكس كما حدث ويحدث فستجلب هذه العناصر الفاسدة من هم على شاكلتها، فالطيور على أشكالها تقع، ويصبح الفساد ليس ظاهرة أخلاقية فردية، بل عملاً منظمًا تقوم به هياكل من أصحاب المصالح تحرص على بقاء الفساد؛ لأنها منتفعة به، وتحرص على انتشاره ورواجه ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ (النور: من الآية 19)؛ حتى لا يكونوا هم وحدهم الشواذ الغريبين في المجتمع، وهذا أسوأ صور الفساد من لوبي الفساد المنظم من أصحاب المصالح، وفي هذا الصدد حديث جامع شديد التحذير من رسول الله صلى الله عليه وسلم "من استعمل على قوم رجلاً وهو يعلم أن فيهم من هو أرضى لله منه؛ فقد خان الله ورسوله وأمانة المسلمين"، وهذه تعتبر خيانة عظمى بمفهوم العصر الحديث.

وقد قال الخليفة الملهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي وضع قواعد الإدارة العامة والمتابعة، كما لم تُوضع من قبل ولا من بعد أسس لها: "أرأيتم لو أني عمدت إلى خيركم فوليته عليكم أكنت قد أديت ما عليّ؟ قالوا نعم يا أمير المؤمنين.. قال لا والله حتى أنظر ماذا يصنع..."!!!.

ويكفي أن نعلم أن واحدًا فقط من هؤلاء المفسدين المحميين بلوبي الفساد هرب بعد أن سرق مليارًا من الجنيهات بضمانات شفهية، وتمَّ التستر عليه بعد هروبه وحتى الآن من هذا اللوبي صاحب المصلحة، فكم يعالج هذا المليار من المشكلات ويحل من الأزمات؟ وأيضًا بدلاً من أن ننفق المليارات على علاج الفشلَيْن- الذين انضموا إلى مجموعات الفشل- الكبدي والكلوي والسرطانات المستعصية على العلاج، ألم يكن الأولى والأجدى أن نمنع وصول هذا المفسد الذي تولى وسعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد؟! لأن درهم وقاية خير من قنطار علاج، وقد تمت عشرات الإنذارات وبحت آلاف الأصوات المحذرة من ذلك "فلم تستبينوا النصح إلا ضحى الغد"، وهذا الدرس المؤلم يجعلنا ننتبه ونقف صفًّا واحدًا لإبعاد باقي الفاسدين المفسدين "فنحن وهم في سفينة واحدة يريدون أن يغرقوها"، وإلا فسنظل ننفق المليارات على علاج آثار فسادهم وإفسادهم بلا جدوى.

وفي المقابل ألم يُمنع أهل الصلاح من تولي المسئوليات التربوية، وتم إحالة عشرات الآلاف منهم إلى أعمال إدارية، وأصدرت المحاكم آلاف الأحكام لبطلان قرارات إحالتهم هذه، وحرمان أبنائنا من تربية أهل الصلاح.. ألم يُحبس شباب الجماعات الإسلامية ظلمًا وعدوانًا بلا جريرة، وصدرت لهم عشرات بل مئات أحكام الإفراج ولم تُنفذ، ولم تحترم أحكام القضاء؟! ولعن الله قومًا ضاع الحق بينهم، بل مات منهم العشرات في السجون، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لزوال الدنيا أهون على الله من قتل نفس مؤمنة"؛ مصداقًا لقول الله عز وجل: ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (المائدة: من الآية 32).

ألم تُصادر مشروعات اجتماعية واقتصادية كانت تساهم في حل الكثير من مشكلات البطالة وأمراض المجتمع بجهود ذاتية تطوعية ابتغاء مرضاة الله، بحجة أن أصحابها من الإخوان المسلمين؛ ما دفع الكثيرين من أهل الخير والصلاح أن يحجموا عن إنشاء مثل هذه المشروعات الخيرية فتفاقمت المشاكل.. افتحوا أبواب الحرية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية، حسب ضوابط ثوابتنا الأصيلة، يحمل الناس معك هموم ومشاكل الوطن والمواطن.

بقيت نقطة أخيرة تساءل بها الكثيرون بحسن نية أو بغيرها، وهي نقطة الخلافات الفقهية وأي إسلام تريدون تطبيقه، وقد تعددت الأشكال والفتاوى، واختار الناس أين الصواب وأين الخطأ، بل أين الحق وأين الباطل؟!

والحل سهل إذا خلصت النيات، ولزم كل واحد حدوده، وسألنا أهل الذكر إن كنا لا نعلم، إن عودة أوقاف الأزهر بل والأوقاف الإسلامية عامة حلٌّ جذريٌّ لتحرير الأزهر وعلمائه، وعدم تبديل وصية المسلمين الذين أوقفوا هذه الأوقاف ﴿فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّـهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (181)﴾ (البقرة)، يتحرر علماء الأزهر، خاصة المسئولين منهم؛ من سلطان الدولة والوظيفة والراتب، وتُختار قيادته بالانتخاب من أهل العلم والورع والتقوى، وهم بفضل الله في مصر كثيرون، ويضم إليهم لجنة من إخوانهم المشهود لهم في باقي الدول الإسلامية، وتُعرض عليهم القضايا الخلافية والمستجدات التي تحتاج إلى اجتهاد، ويجعلون أمرهم وأمر أمتهم شورى بينهم، ويتفقون على الاختيار الفقهي الأصوب، أو يفتحون باب الاختيار لتعدد الصواب؛ عندها نسمع قول الله عز وجل ودعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد تلاوة الآية يتردَّد في أسماع الدنيا ﴿قُلِ اللَّـهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (46)﴾ (الزمر)، (اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم)...

أما قضية عالمية الإسلام، وكونها حلاًّ لهوان الأمة العربية والإسلامية، فكما أعزها الله به قديمًا فلن يعزها حديثًا إلا به ولهذا لقاء آخر.. جعلنا الله وإياكم هداة مهديين، وولَّى أمورنا خيارنا، وفتح بيننا وبين قومنا بالحق وهو خير الفاتحين... آمين

الأربعاء، 28 أبريل 2010

وإن جندنا لهم الغالبون

بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، ومَن تبعه بإحسان إلى يوم الدين..

الاستبداد إلى زوال

يحاول الباطل دائمًا أن يقلب الحقائق، فيحوِّل الظالم إلى مظلوم، والجلاَّد إلى ضحية، والضحية إلى مجرم، فالداعي إلى الخير خارج عن القانون، والقائم بالإصلاح مآله الاعتقال، بل ويطالب البعض بضربه بالنار!!، فهل بات الإصلاح والمطالبة بالحريات جريمةً في عالمنا الإسلامي؟ وهل أصبحت خطابات الاستجداء ولافتات التأييد نضالاً وبطولةً؟!.

هذه إشاراتٌ لسوءة عصرنا الذي انتشر فيه الاستبداد، خاصةً أمام الشعار الرباني الذي يرفعه الشرفاء: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْأِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (هود: 88).

فهذه السجون التي تلفُّ عالمنا بخيرةِ أبناء الأمة، وهؤلاء الأسرى من مجاهدي ومجاهدات فلسطين في سجون الاستبداد الصهيوني؛ ما هي إلا المخاض للأمل القادم بإذن الله؛ ليبدّد ظلام الاستبداد: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ (الرعد: من الآية 17).

فهذا الاستبداد وإن طال ليله فهو إلى زوال، وسيقف المفسدون بين يدي ربهم: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ* وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ* سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ* لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (إبراهيم: 48-51).

فماذا جنى قائد المستبدِّين: يوم أن قال: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ (غافر: من الآية 29)، ويوم أن ردَّ على المؤمنين: ﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى﴾ (طـه: من الآية 71)، ألم تكن نهايته: ﴿فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا﴾ (الإسراء: 103).

سنة الله في الخلق

وهذه سنة الله التي لا تتبدَّل ولا تتحوَّل.. إنها السنة الماضية إلى يوم الدين، في الوعد الحق من الله تعالى، لكل الدعاة والأحرار والشرفاء، وهم يواجهون العوائق، ويتجاوزون الصعاب؛ بإيمان عميق، وفهم واضح، وعقيدة راسخة، تسيطر على قلوبهم وعقولهم وتصرفاتهم، يقول تعالى: ﴿ولقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ* إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ* وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ* فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ* وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ* أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ* فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاء صَبَاحُ الْمُنذَرِينَ﴾ (الصافات: 171- 177)، هذه سنة عامة، وهي مستمرة في جميع بقاع الأرض وفي جميع العصور، إن أخلص الجند، وتجرَّد المصلحون، فهي غالبةٌ منصورةٌ، مهما كانت الصعاب والعراقيل، وهل يقف أمام وعد الله شيء؟! وهل يوقف سنة الله شيء؟! قد يؤجِّلها الله إلى حين ولكنها لا تتخلَّف، وقد يُمهل الله الظالم ولكنه لن يفلته أبدًا من الحساب والعقاب، وكل ذلك بتقدير الله، لا بما يريده البشر أو بما يتصوره الناس، فالأمر من الله أكمل وأبقى وأشمل وأحكم، وما يريده الله هو الغالب؛ لأنه سبحانه الفعال لما يريد: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: 21)، ونداؤنا إلى كل الساعين للإصلاح أن يخلصوا لله ويجعلوا الوجهةَ له سبحانه، ويستمروا في العمل الجادِّ لإنقاذ الأمة من المصير المجهول الذي يدفعه إليها الاستبداد والفساد.

﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾

فما يكون في الكون إلا ما أراده الله، وقد يُهيئ الله للبشرية آياتٍ لا يعلمها إلا الله؛ من أجل أن نعرف قدرته وسلطانه ﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ﴾ (الزمر: من الآية 16) لعل البشرية تفيء إليه، في مجال أوسع، وفي أثر أدوم، فما زال بركان أيسلندا يعوِّق حركة الطيران في معظم أنحاء دول أوروبا، رغم مرور أكثر من أسبوع على ذلك؛ بسبب الرماد أو الغبار البركاني المتصاعد، الذي يحجب الرؤية ويهدِّد الملاحة الجوية، فدخانه يحتوي على جسيمات ضئيلة من السيليكون، وكل المصهور في جوف البركان يتحوَّل إلى دخان يمكن أن يتلف محركات الطائرات وهياكلها وجميع الأجهزة الإلكترونية الدقيقة، فضلاً عن إصابات رئوية خطيرة لجميع الكائنات الحية.

فهل هذه الآية لأهل الأرض جميعًا للعود الحثيث إلى رب العزة؟ يقول تعالى: ﴿وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا﴾ (الزخرف: من الآية 48)، وهل هي دعوة إلى التصدِّي للفساد والمفسدين والطغيان والطاغين؟! يقول تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُون﴾ (الروم: 41)، وقد أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم عندما نرى آياتِ الله في كسوف أو خسوف الشمس؛ أن نلجأ إلى الله بالصلاة والدعاء، ونتحصَّن بالاستعداد لليوم الآخر؛ لنكون قدوةً للناس جميعًا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ* يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ (الحج: 1-2)، وهذه العودة إلى الله تعني العودة إلى الفطرة السليمة التي فطر الله الناس عليها، ومعرفة قدرته القاهرة سبحانه فوق عباده، بالامتثال لأمره ونهيه، وليس مجرد الخوف من بطشه وعقابه.

الطوارئ لن تدوم

رضي الله عن حاكم الأمة العادل عمر بن الخطاب وهو يقول: "نحن قوم أعزَّنا الله بالإسلام فإن ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله"، فالإسلام يطالبنا بالعزة لا بالاستضعاف.. والقوة لا بالهوان.. والحرية لا بالاستبداد؛ الذي هو يهوى ويتساقط بكل أنواعه السياسية والاقتصادية والاجتماعية، يوم أن نمارس حياتنا بالإسلام، ويوم أن يكون الولاء لله وحده لا للمستبدِّين، ويوم أن نكون عبيدًا لله وحده لا لأصحاب السلطة.

فأمجاد أمتنا لم تصنعها في يوم ما قوانين طوارئ، ولا محاكم استثنائية ولا أحكام عرفية، ولا شرطة ترهب الأحرار، ولا سجون تقمع الشرفاء، وإنما صنعها العدل، وصاغتها الحريات، وأنتجتها المساواة، فكانت بحقٍّ أمة الحق والعدل والمساواة والحرية قبل أن تعرف الحضارات الحديثة هذه المصطلحات.

فيا قومنا..

أقيموا دولة الإسلام في نفوسكم تقُم على أرضكم، إن بداية الإصلاح هو إصلاح هذه النفس البشرية بتمام العبودية لله، ومراقبته في كل شأن وكل حال، واستشعار المسئولية "كلكم راع ومسئول عن رعيته، المرأة راعية ومسئولة عن رعيتها وكذلك الحاكم راع ومسئول عن رعيته"، ففي البيت لا يُبرَم أمرٌ من فطام الوليد فما فوقه إلا عن تراضٍ وتشاور ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ (البقرة: من الآية 233)، وعلى مستوى الدولة أمر المسلمين شورى بينهم ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ (الشورى: من الآية 38) والأمر الإلهي لرسول الله صلى الله عليه وسلم وكل مسئول بعده ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (آل عمران: من الآية 159).

نطالب بإطلاق الحريات؛ حتى تتمكن أمتنا من نهضة حقيقية لاستعادة مجدها العظيم، وأن تمتلك الإفصاح الحر، عن رأيها في اختيار ممثليها وحكامها، كما تريد، ونحب أن يعلم الجميع أنهم سواءٌ في تحمُّل هذا العبء من الاضطلاع بمسئولية الإصلاح؛ فلا تستصغروا شأنكم أو جهدكم أو رأيكم؛ لأن مالك القوى والقدر هو الذي يؤتي الملك مَن يشاء وينزع الملك ممن يشاء، وما نحن إلا أسباب نستر القدرة ونأخذ الأجرة من الله: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ* وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ (القصص: 5-6).

نطالب بإنهاء استئثار الحاكم بالسلطة دونما محاسبة من الأمة تحت مسمَّى الطوارئ أو درء الفتن أو الحفاظ على الأمن القومى، فكل ذلك مفسدة مطلقة هي عين الفتنة، حيث تربَّى في أغلب دولنا الإسلامية جيلٌ كاملٌ لا يعرف إلا قيود الطوارئ على الحريات العامة أو التقاضي والحبس والاعتقال، بدلاً من مواجهة الفساد والمخدرات والانحلال والإرهاب والاحتلال!.. فهل ألفت الشعوب وتعايشت مع قوانين الطوارئ بحكم الزمن؟ وإذا كانت حالة الطوارئ الاستثنائية هي القاعدة، فما القانون الطارئ أيام الحرب أو الوباء أو الكوارث، جنبنا الله ويلاتها؟ وأين هي القوى الشعبية التي تواجه التمديد المستمر لمواده، التي باتت سيفًا مصلتًا على الرقاب، خاصةً أمام الوعود المؤخَّرة بإلغائه، والتي تبخرت ولم يكن لها أي وجود؟!

وفي مصرنا خصوصًا نطالب مع كافة القوى الوطنية التي أجمعت على إلغاء العمل بها، برفع حالة الطوارئ قبل نهاية شهر أبريل الحالي، والاستجابة في ذلك لتوصيات كافة المجالس الدولية والمحلية لحقوق الإنسان، التي أعلنت سقوط مبرِّرات العمل بها؛ نظرًا لانتفاء وانقضاء الشروط التي حدَّدها الدستور لاستمرار حالة الطوارئ، وتعارضها مع المواثيق الدولية المعنية، بحقوق الإنسان، وفي قوانيننا المدنية الكفاية لكل ما نحتاجه، فلا قانون طوارئ ولا قانون إرهاب.. فهل تتحقق هذه المطالب؟!

يا قومنا..

قانون التطهير العرقي في فلسطين زيادة في فُجر الصهاينة، لا يردعه إلا وحدة الصف الإسلامي، سنةً وشيعةً، عربًا وعجمًا، على اختلاف ألواننا وألسنتنا وفصائلنا، فالحقُّ الفلسطيني في كل أرضهم حقٌّ مقدسٌ في كل الرسالات والأعراف والقوانين، وحقوق الإنسان في الشرق أو الغرب، فإما أن ننال حقوقنا وإلا فليس للفلسطينيين أو العرب أو للأمة الإسلامية إلا المقاومة بكل الوسائل المشروعة، بما فيها المقاومة المسلَّحة، فذلك العلاج الناجع لهذا الاستبداد الصهيوني المدعوم أو المسكوت عنه غربيًّا وعالميًّا ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ (الأنبياء: 18).


رسالة من: د. محمد بديع

المرشد العام للإخوان المسلمين
القاهرة فى : 8 من جمادى الأولى 1431هـ الموافق 22 من إبريل 2010م

الاثنين، 29 مارس 2010

الأمل بعد الله في الشعوب

رسالة من أ. د/ محمد بديع- المرشد العام للإخوان المسلمين

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، ومن والاه، وبعد..

الشعوب رأس مال الأمة..

إن الشعوب هي أساسُ بنيان الأمم، وأصلُ دعوتها، والشعوبُ هي الجنودُ الأوفياءُ في قطار النهضة والتنمية، وما نشهده اليوم من تحرُّكات الشعوب، وانتفاضة المجتمعات؛ لهو خير شاهد على أنَّ الشعوب ستظل هي الرصيدَ الحقيقيَّ، والمخزونَ الفعليَّ، لكل تقدُّم ونماء، رغم ما تعانيه من المحاولات المستميتة لطمس هويتها، وتغييبها عن أداء دورها، وحجْب إرادتِها، في وقت سيطرت فيه القوى الخارجية على مقدراتِها، وانفصل الحكام عن تأييدها، ففقدوا عزَّتَهم، في وجه المشروع الأمريكي الصهيوني؛ لأن الشعوب هي التي تمدُّ حكوماتها بالكرامة والإباء.

ورغم تزوير الأنظمة إرادة الشعوب، وكبت حرياتها، وحظر قواها الشعبية؛ فإن الشرعية الشعبية في اختيار الأحرار، وإعلاء شأن الشرفاء، باتت اليوم هي الواقع الأقوى، في بلدان أمتنا، باختيارها للإسلام منهاجًا للحياة، كما حدث في الانتخابات النيابية بمصر وتركيا، وغيرها من البلدان الإسلامية، وممَّا تبتهج له النفس ما اختاره الشعب الفلسطيني بكامل إرادته ورغبته لحركة المقاومة الإسلامية حماس؛ لتمسكها بنهج الإسلام، وتطبيقه في المجتمع.

رغم التشويه المستمر لدعوة الحق على أنها تأخُّر، وأن التمسُّك بهوية الإسلام رجعيةٌ، وأن كل دعمٍ لمقاومة المحتل ما هو إلا إرهابٌ وعنفٌ، فإننا شهدنا الغضبات الشعبيَّة العارمة تجاه نصرة الأقصى، من مظاهرات واستنكارات ومقاطعات عامة، أخافت المعتدين، وأشعرتهم بقوة الأمة، وأيضًا ما شهدناه من تدافع شعوبنا للتبرُّع وبذل المال والنفيس، إغاثةً لإخوانهم المسلمين، ونصرةً للمستضعفين والمظلومين في كل مكان، ووقوفًا معهم صفًّا واحدًا، وهذا ما يؤكِّد أنَّ شعوبنا بدأت تدرك- وبجديَّة- أنَّ قيم ومبادئ وأخلاق الإسلام هي البديل الصحيح لشتَّى البدائل الأخرى التي عانت البشرية الويلات من ورائها، وصارت الأمة على قدر كبير من الوعي للأحداث، ومتابعة كثير من أبنائها لهموم أمتهم، والوقوف معهم، بعد أن كانت مغيبةً عن دينها، ومضيِّعةً لشرائعه، فممَّا يبهج النفس أنَّه قد صار للشعوب اليوم موقفٌ يُحسب له ألف حساب، قبل أية محاولة لقلب الحق باطلاً، أو نشر للفساد، وبذلك تكون شعوبنا قد وضعت قدمها على أول خطوة من استرداد الثقة بالنفس والمنهج.

وتأمل ما تقوم أمريكا بإنفاقها على حربي العراق وأفغانستان، ومع ذلك سيبقى الأمل بعد الله في الشعبين اللذين- إلى اللحظة- هما باقيان بمقاومتهما وثباتهما؛ فقد أفادت أرقام طرحتها وزارةُ الدفاع الأمريكية مؤخرًا بأن الموازنة الأمريكية المخصصة للحرب في أفغانستان ستتخطَّى للمرة الأولى في العام 2010م تكلفة الحرب في العراق، (والتي قدِّرت بعد 5 أعوام من حرب العراق بـ600 مليار دولار رسميًّا، في حين قدَّرها الاقتصاديون بـ4 تريليونات دولار).

وقال مدير الموارد في رئاسة الأركان الأمريكية: إن الأموال المطلوبة التي تناهزُ خمسةً وستين مليارًا لأفغانستان تفوق الواحد والستين مليارًا المطلوبة للعراق، مشيرًا إلى أن هذه سابقة.

من جهةٍ ثانية أقر مجلس النواب الأمريكي مشروعَ ميزانيةٍ إضافيةٍ للعام الجاري بقيمة ستة وتسعين مليارًا وسبع مئة مليون دولار؛ لتغطية مصاريف حربي العراق وأفغانستان.

الدور المنتظر من الشعوب..

ومن أجل ذلك فإن الإخوان المسلمين يحبون أن يضعوا الجميعَ أمامَ مسئوليتِهم من الأمانة التي سيُسألون عنها بين يدَي ربهم، لقوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً﴾ (الأحزاب: 72)، وهذه المسئوليةُ تقعُ على الجميع بغير استثناء؛ كلٌّ حسب موقعه، وتبعًا لقدراته وإمكاناته.

فجدِّدوا يا شعوب العالم الإسلامي استشعارَ الولاءِ لله، وارفَعوا رايةَ الإسلامِ، وأقيموا دولةَ الإسلام في نفوسكم تقُم على أرضكم، واعلَموا أن الإسلام إن لم يكن بكم فسيكون بغيركم، ولكنكم لو لم تكونوا به فلن تكونوا بغيره: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ (محمد: من الآية 38).

ومن هذا المنطلق فإني أرى عدة واجبات، على شعوبنا الإسلاميَّة، وهي تؤدي الدور المنتظر منها:

1- استمرار الجهد الفكري والدعوي، وربط كل هبة شعبية بالإيمان، والحذر من مخالفة أمر الله؛ لجني ثمار المواقف الشعبية الإيجابيَّة بذلاً وعطاءً، وهذه أول بادرة لفهم قضايا أمتنا.

2- استمرار التأكيد على أنَّ أساس الانطلاق الذي يحركنا كشعوب ومجتمعات هو ديننا وشريعتنا، وبذلك تكون العاطفة نبيلةً وكريمةً ومنضبطةً بضوابط الشرع، فلا تحركنا قومية أو إقليميَّة،، يقول تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (الحجرات: من الآية10).

3- استمرار الشعوب في امتلاك الوعي بقضاياها، فلا يندفعون تجاه أعمال ليس من ورائها أي منافع لها، أو بعيدة عن المصلحة في حياتها وأخراها، ومن ذلك إشهار سلاح المقاطعة الشعبية لكل منتجات أعداء الأمة العربية والإسلامية.

4- أن يكون لكل فرد من شعوبنا قضيَّةٌ وهمٌّ خاصٌّ يشغله، فالأمة في حاجة لكل سواعد أبنائها، وعقولها المفكرة؛ ليصب ذلك في مصالح الأمَّة الإسلاميًَّة ومنافعها.

5- الاعتزاز بالإسلام، وطرد روح الانهزاميَّة، وإصلاح النفس والمجتمع، فإن ذلك هو السبب الكفيل لنهضتنا، واسترجاع عزِّنا، والوعي بمخططات المتآمرين، وردّ مكر الكائدين إلى نحورهم، يقول تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد: من الآية 11).

فإلى المسارعة في نصرة الأمة:

فإلى المبادرة العاقلة، والمسارعة المنضبطة، والإيجابية الذاتية، يقول تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ (التوبة: من الآية 105)، وقوله صلى الله عليه وسلم "قد عرفت فالزم" وعندها سيرى المسلمون نتيجة جهدهم وثمرة سعيهم، وقد آن لشعب مصر أن يعبِّر عن مبادرته، لإعادة الدور الريادي لمصرنا، على مستوى العالم العربي والإسلامي.

وإلى العمل المتواصل في سبيل مرضاة الله، بهمة عالية خفَّاقة، نحو الانتصار لقضايا الأمة، ونصرة المسلمين، يقول صلى الله عليه وسلم: "ما من امرئ يخذل مسلمًا في موطن ينتقص فيه من عرضه، وينتهك فيه من حرمته إلاَّ خذله الله في موطن يحبُّ فيه نصرته" (أخرجه أبو داود في السنن).

وإلى المزيد من التحركات الضاغطة، فإن إرادة الشعوب أقوى من كل المؤامرات والمهاترات والمساومات؛ فالشعوب الحرة الأبيَّة الصادقة هي رمز الأمة؛ لأنها هي التي ترسم لها طريق العزة والحياة الكريمة، وبهذا بدَّدت إرادة الشعوب ما استنتجه معلِّق أمريكي حينما صرَّح بأنه "لترويض الشارع العربي ينبغي إثارة الرعب في أوصاله بدل تهدئته"، مستدلاًّ بما حصل بعد شهرين من القصف على أفغانستان من صمت عربي"، ولذلك فإننا لا نعتمد بعد الله تعالى إلا على إيمانِ الشعوب بعقيدتِها ووعيِها بثقافتِها، وإصرارِها على نَيلِ حقوقِها وانتزاعِ حرياتِها، ونحنُ نثقُ في قدرةِ هذه الشعوبِ على التمييزِ بين الشرفاء الصادقين في الدفاع عن حقوقِها، وبين المخادعين الذين يُزيِّنون لها القولَ ويحتالون على تزييف إرادتِها.

وإلى المسارعة في تقديم كل عون لإنقاذ الأقصى، فالأمل اليوم معقودٌ على الشعوب في وقف العدوان الصهيوني الغاشم على مقدسات الأمة، بعد الموقف المتخاذل والمتواطئ للأنظمة تجاه المجزرة الصهيونية في القطاع، ومحاولات هدم المسجد الأقصى، وإن الشعب الفلسطيني الآن لا يدافع عن مقدساته وعرضه ووطنه فحسب، وإنما يدافع عن كرامة الأمة وشرفها، وتمثِّل مقاومته حائط الصد وخط الدفاع الأول ضد المخطط الصهيوني الجائر.

وتحيةً لشعوب العالم أجمع، فرغم مصادرة آمالها، خرجت تطالب بطرد السفراء الصهاينة، وإغلاق سفاراتهم الموجودة في بعض بلدانها، وإغلاق مكاتب التمثيل التجاري، وتفعيل المقاطعة لمنتجات الدول الممولة للمذابح اليومية، وعندما جاءتها فرصة الانتخابات الحرة طردت هذه الشعوب الحرة كل مسئوليها الذين شاركوا في جريمة حرب العراق، وكذبوا على شعوبهم بتقارير مضللة متعمدة، أدَّت إلى دمار دولة عربية بكل مقوماتها الإنسانية والاقتصادية، وتطالب هذه الشعوب الحية الآن بإيقاف المفاوضات المباشرة وغير المباشرة، وإلغاء معاهدات السلام المزعوم، وإرسال قوافل الإغاثة بحرًا وبرًّا، وبدلاً من الاستجابة للمطالب الشعبية رأينا من يتآمر مع العدو على إجهاض المقاومة واغتيال المقاومين!، ولذلك فإننا نكرر أن الأمل بعد الله هو المعقود على الشعوب؛ للضغط على أنظمتها؛ لعلها توقف حصار أهلنا في غزة، أو لعلها تقوم بدورها حيال المجازر الوحشية في أفغانستان والعراق والصومال وفلسطين.

لهذا لسنا يائسين أبدًا..

يقول الإمام البنا: "وآيات الله تبارك وتعالى، وأحاديث رسوله صلى الله عليه وسلم، وسنته تعالى في تربية الأمم وإنهاض الشعوب بعد أن تشرف على الفناء، وما قصَّه علينا من ذلك في كتابه.. كل ذلك ينادينا بالأمل الواسع، ويرشدنا إلى طريق النهوض الصحيح"، فلا بد للشعوب أن تنعم بالحياة الكريمة الحرة، وتنتصر إرادتها بصلاحها، وحسن توجهها إلى الله، يقول تعالى: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ) (الأنبياء: 105 و106 )، ويقول تعالى: (إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ) (غافر: 51).

وإن الإخوان المسلمين يوقنون أن سننَ الله غلاَّبة، ونواميسَه ثابتةٌ، فلا يُقعِدنَّكم عن السير الاعتقالات، أو العقبات فيه؛ فإن الله معكم ولن يتركم أعمالكم، و﴿لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ* بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ* وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (الروم: 5: 7).

فكل التضحيات تصغر حينما ندافع عن الحق، ولذلك يقول الإمام البنا بعد اعتقاله: "لقد كانت فترة الاعتقال بمثابة اعتكاف إجباري أو محطة في طريق السفر الطويل، راجعت فيها كتاب الله تعالي حفظًا ودراسة وتدبرًا، وعرفت واختلطت بأناس آخرين، ووجدت فرصة أخلو فيها إلى نفسي، أستعرض أحداث الماضي، وأفكر في الحاضر بهدوء ورويَّة، وأعتقد أننا لن نخسر شيئًا في أمر قد قدره الله لنا، فإن ما يحدث لنا من عذاب أو اضطهاد، أمرٌ قد تعاهدنا عليه، فلا غرابةَ فيه، ولن يؤثر فيما عقدنا العزم عليه، ولكنه- فقط- يعطينا المؤشرات، ويحذرنا من المطبات، ويفتح أعيننا على ما هو آت، فإن ما يحدث لنا لن يوقف حركة الدعوة، ولن يرهب أبناءها الذين اعتقدوا أن أقل ما يُطلب في سبيلها هو الدم والمال.. (وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمْونَ) (يوسف: من الآية 21).

والله أكبر ولله الحمد

السبت، 13 مارس 2010

سيبقى الأقصى ما بقيت الدنيا

رسالة من: أ. د. محمد بديع- المرشد العام للإخوان المسلمين

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن والاه، أما بعد،،

القدس زهرة المدائن، وبسمة الأماكن، ليلها صلوات وابتهالات، ونهارها كدح ودعوات، وتاريخها هو تاريخ الرسالات وتضحيات المرسلين، سلَّمها النبي إلى النبي والرسالة إلى الرسالة؛ حتى تسلَّمها محمد صلى الله عليه وسلم من جميع الأنبياء في حفل باركته السماء، وعلى أبوابها استُشهد الأبطال، وفي ساحاتها استبسل صناديد الرجال المؤمنين، وعلى أبوابها يتصارع الحق والباطل صراعًا مريرًا قد يربح الباطل جولاته الأولى، ويحسم الحق في جولاته الأخيرة.

ثوابت لا تفريط فيها:

* فلسطين والقدس جزء من عقيدة الأمة الإسلامية، والتفريط فيها تفريط بكتاب الله، وحضارة الأمة وعقيدتها.

* قضية فلسطين أمانة في عنق كل مسلم، والانتصار لها واجب، والدفاع عنها فريضة، والتفريط فيها جريمة.

* التودد للصهاينة ومن والاهم، والتعامل معهم؛ حرب لله ولدينه وللمسلمين، مصداقًا لقول الله: ﴿فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (63)﴾ (النور).

* الجهاد لاسترداد فلسطين والأقصى فرض عين على جميع المسلمين، فالجميع مطالبون بصيانة المقدسات وحمايتها، وفي مقدمتها أولى القبلتين وثالث الحرمين، ومسرى النبي ومعراجه.

شكر مرفوض وتخاذل ممجوج

إن من نكد الدنيا على المرء أن يمر عليه يوم مثل الثالث من مارس الجاري، والذي قام فيه "نتنياهو" رئيس وزراء الكيان الصهيوني بتقديم (الشكر) إلى زعماء العرب على موقفهم المشرف؟! وأيضًا السيدة "هيلاري كلينتون" التي أعربت عن امتنانها ورضاها عمَّا اعتبرته موقفًا عربيًّا (شجاعًا)، وذلك بعد سكوتهم وتخاذلهم والامتناع؛ حتى عن الشجب والاستنكار لقرار ضمِّ الحرم الإبراهيمي في الخليل ومسجد بلال في بيت لحم إلى "إسرائيل"، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الدولية، هذا الذي حدث في الضفة الغربية تحت سمع وبصر السلطة الفلسطينية في رام الله، يتزامن مع الجهد الذي يُبذل؛ استعدادًا لبناء هيكل سليمان فوق أرض المسجد الأقصى، والذي يمثل يوم 15 مارس الجاري إشارة البدء لـ"حملة بناء الهيكل".

للأقصى رب يحميه وسواعد تفديه

يصعِّد الكيان الصهيوني إلى الهاوية كلما اقترب أكثر من تحقيق فكرة بناء الهيكل على أنقاض المسجد الأقصى.

ففي أعقاب مذبحة ساحة الأقصى (8/10/1990م) ظهر عالم الآثار الصهيوني "جوزيف سيرج" على شاشة التليفزيون الفرنسي ليقول: "إن "إسرائيل" ستبدأ قريبًا جدًّا في إقامة الهيكل الثالث على أنقاض المسجد الأقصى الذي تستطيع "إسرائيل" تصديعه باستخدام التكنولوجيا الحديثة, وبعدها بأيام في شهر نوفمبر أعلن "شامير" رئيس الوزراء الصهيوني آنذاك، معلقًا على المذبحة: "لقد حان الوقت كي تمتد حدود "إسرائيل" من البحر إلى النهر"، وفي سبتمبر 1991م أعلنت جريدة (هاحدشوت) أن حركة "أمناء جبل الهيكل" ستقوم بوضع حجر الأساس- الذي يبلغ وزنه 6 أطنان ملفوفًا بعلم "إسرائيل"- إلى مكانه في الحرم القدسي.

ولا غرو... فمن أوفى بوعده ووعيده وقضائه من الله تعالى، إذ يقول جل شأنه: ﴿إِنَّ اللهَ يُدَافِعُ عَنْ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (38) أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40)﴾ (الحج).

فأين ذهب "شامير"؟ ذهب إلى الجحيم، تلاحقه اللعنات، وخاب أمناء الهيكل، فلم تتحقق غايتهم، وقد رأينا بأم أعيينا مؤخرًا كيف قام الرجال والنساء والشباب من أبناء فلسطين بمواجهة الجيش المسلح بصدورهم العارية وسواعدهم العزلاء من السلاح؛ سوى سلاح الإيمان والعقيدة والتصميم على الجهاد والاستشهاد.
وصدق فيهم قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنْ اللهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللهِ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174)﴾ (آل عمران).

وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما وصفهم بقوله: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، يقاتلون على أبواب بيت المقدس، لا يضرهم خذلان من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك".

عندما انتُخب "شارون" رئيسًا للوزراء، وأعلن تصريحه الشهير بالقضاء على الانتفاضة في خلال مائة يوم، مضت الانتفاضة في طريقها، واشتد عودها يومًا بعد يوم، وأحدثت في حينها ضربة هائلة لنظرية الأمن الصهيوني، وأعادت الثقة في قدرة الشعوب على استخلاص الحقوق ومواجهة العدو الغاصب، وأكَّدت للزعامات الخائرة أن دوام الحال من المحال؛ فأين ذهب شارون؟ إنه يرقد حتى الآن في غيبوبة بين الموت والحياة، لا يدري من أمره شيئًا ليتحقق فيه وعد الله ووعيده.

العرب يوفِّرون الغطاء للصهاينة

لقد كان مطلوبًا أن يغض العرب الطرف عن مخططات تهويد القدس، واقتحام المسجد الأقصى، وسرقة الحرم الإبراهيمي ومسجد بلال، وسرقة وهدم بيت المقدس، ونسيان العدوان على غزة، وما أصابها من خراب وتدمير، وهي ما زالت صابرة على الحصار والتجويع، ولإخراج المشهد المخزي كان على جامعة الدول العربية أن توفر الغطاء أو العباءة، فقامت بتمديد حق الرئيس محمود عباس في التفاوض مع الكيان الصهيوني لأربعة أشهر!!!

وإن المرء ليعجب منذ متى يقيس العرب قراراتهم بالشهور؟!!

ومنذ متى يحتاج عباس إلى إذن عربي، وهو الذي أذن لـ"إسرائيل" بأن تنفرد به عندما قرَّر في أوسلو الخروج عن وفد مدريد العربي الموحد؟!!

ولماذا هذه العباءة العربية؟!!

ولماذا على أبواب قمة طرابلس؟!!

ولماذا وسط الاستياء الأوروبي من تزوير "إسرائيل" جوازات سفر ست دول من دولها؟!!

ولماذا بعد قمة الأسد- نجاد؟!!

ولماذا مع هدم بيوت أهالي القدس؟!!

ولماذا مع رصد ميزانيات جديدة لمستوطنات "إسرائيلية" في الضفة؟!!

وهكذا نرى أن عباءة الجامعة العربية واسعة فضفاضة، فهي تغطي "نتنياهو" من دم المبحوح، وتغمر بالدفء برودة معالجة الدول الأوربية؛ لاستعمال "إسرائيل" جوازات سفر رعاياها بصورة غير شرعية في اغتيال شهيد المقاومة في دبي, وتخفي المبادرة العربية الطاعنة في السن، والمطعونة في ظهرها "إسرائيليًّا" وأمريكيًّا؛ بحيث يصعب سحبها في قمة طرابلس المقبلة... لقد أصابت "إسرائيل" عدة عصافير بحجر عربي واحد..
في مواجهة التحديات:

* أمتنا أمة عظيمة، يظهر معدنها في أوقات المحن والشدائد، ولا بد من إستراتيجية طويلة المدى، تنبع من عقيدة الأمة وهويتها ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (138)﴾ (البقرة).

* إن وحدة الأمة ووحدة العمل الإسلامي ووحدة القيادات والمنهج ضرورة شرعية وحياتية لمواجهة التحديات.

* لا بد من أن نمتثل لأمر الله؛ حيث قال: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ (60)﴾ (الأنفال).

مهما علت "إسرائيل" فإنها إلى زوال


رغم امتلاك "إسرائيل" ترسانة من الأسلحة النووية، ورغم احتضان أمريكا لها، ورغم التنازلات العربية؛ فإنه لن يتوفر لها الأمن والأمان على أرضنا المحتلة، فهي ظاهرة مؤقتة وإلى زوال، والشواهد على ذلك كثيرة:

- فقد أخبرنا الله عزَّ وجلَّ في سورة الإسراء أن الصهاينة سيعلون في الأرض مرتين علوًّا كبيرًا.. وها نحن نلمح العلو الثاني والأخير الذي سيسلط الله فيه عليهم من يسومهم سوء العذاب؛ جزاء تطاولهم على الله، واستهانتهم بالحرمات والمقدسات، فيقول الله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (7)﴾ (الإسراء).

وانطلاقًا من سنة الله في التداول، وهلاك الأمم بسبب الظلم والعدوان والطغيان يقول تعالى: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (45)﴾ (الأنعام)، ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا (59)﴾ (الكهف).

- تعاني "إسرائيل" حالة التقهقر، بعد أن لحقت بها هزائم عسكرية متتالية، ابتداءً من حرب 73، مرورًا بالانتفاضة الأولى (87) والانسحاب من جنوب لبنان، والانتفاضة الثانية (2000)، وانتهاءً بخسارة الحرب أمام حزب الله في لبنان، وانسحابها المذل من غزة دون أن تحقق أهدافها.
- الانقلاب الديموجرافي المتوقع لصالح السكان العرب، أو ما يسمونه "القنبلة البيولوجية"، والذي تزيد فيه مواليد الفلسطينيين عن الصهاينة بنسبة 7: 1، والذي دعا الكيان الصهيوني لإعلان مسمى "الدولة اليهودية" كإجراء استباقي لتهجير السكان العرب وغلق باب حق العودة لأراضي 48.

- بشارة الرسول صلى الله عليه وسلم- وهو يعطينا الأمل- بحدوث معركة فاصلة بين اليهود والمسلمين يكون النصر فيها للإسلام والمسلمين، فقال صلى الله عليه وسلم: "لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون، حتى يختبئ اليهود من وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم! يا عبد الله! هذا يهودي خلفي، فتعال فاقتله، إلا الغرقد؛ فإنه من شجر اليهود".

ومن هنا نقول.. إن "إسرائيل" إلى زوال، وأن الأقصى سيبقى ما بقيت الدنيا، يقول تعالى: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ (17)﴾ (الرعد).

السبت، 6 مارس 2010

حتمًا.. مكرهم إلى زوال



فضيلة الأستاذ الدكتور محمد بديع
رسالة من أ. د. محمد بديع- المرشد العام للإخوان المسلمين
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ومن والاه، أما بعد..
ويمكرون ويمكر الله..
بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم برسالة الإسلام؛ لنشر الهدى والنور بين الناس، فشقَّ الأمر على رؤوس مكة، وأنكروا على رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوةَ الحق، على الرغم من إقامة الحجة عليهم، فاستكبروا وعاندوا، وجمعوا مكرهم وكيدهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه رضوان الله عليهم، فعذبوهم وقاطعوهم وآذوهم، ولكنهم لم يفلحوا في صدِّهم عن دعوة الحق, بل ازداد المؤمنون إيمانًا فوق إيمانهم، يقول تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (الأنفال: من الآية 30).

وهذا طريقنا، تأتي فيه الشدائد لتصنع الفرج، فهل تُقعدنا الصعاب عن مضاعفة العمل المستمر لنشر النور والخير، ليس فى بلادنا فقط بل في العالم كله؟!

فهذا العمل المتواصل هو دليل وحقيقة حبِّنا لله عز وجل واتباعنا للنبي صلى الله عليه وسلم، لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (آل عمران: 31)، فأين نحن من ذلك؟! واليوم الذي يكون فيه المسلمون على هذا المستوى فإن الله يكون مولاهم، فكم أبطلَ الله مكرَ الماكرين، وردَّ كيدَهم في نحرهم، ودبَّر لهم ما لم يستطيعوا الفكاك منه ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ﴾ (غافر: 51).

فهل أدركنا هذه الحقيقة؟ والله تعالى يقول: ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (آل عمران: من الآية 54)؛ أي أقوى المدبِّرين في الخفاء ليقابل مكرهم بالخذلان، رغم توفر كل أسباب نجاحه المادية, ويقول تعالى: ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ (إبراهيم: 46)، فهذه هي المعاني التي أراد الصحابة الكرام أن يغرسوها في أبناء أمتنا.. يقول اِبْن عَبَّاس: "مَا كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَال"، ويقول الْحَسَن الْبَصْرِي بِأَنَّ هَذَا الَّذِي فَعَلُوهُ بِأَنْفُسِهِمْ مَا ضَرَّ ذَلِكَ شَيْئًا مِنْ الْجِبَال وَلا غَيْرهَا، وَإِنَّمَا عَادَ وَبَال ذَلِكَ عَلَيْهِمْ.

والقانون الإلهي لا يتبدل، والسنَّة الربانية ماضية، في قوله تعالى: ﴿لا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلا بِأَهْلِهِ﴾ (فاطر: من الآية 43)، وتأمَّلوا ما ورد في تقرير من واشنطن بتاريخ 30/3/2008م: "أجريت دراسة على عيِّنة المقاتلين الأمريكان في حرب العراق، الذين يبلغ عددهم (700.000)، العينة هي (2500) مقاتل، وكانت النتائج: 40% منهم أصابتهم أمراض نفسية وعصبية، ومنهم ما وصل إلى أمراض عقلية وهيستيريا، وهنالك محاولات انتحار، فضلاً عن الهروب من العمل.. ﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ (الحشر: من الآية 2)، وحاق المكر السيِّئ بأهله.

المؤامرة الصهيونية والعالم الصامت
ومن مكر اليوم الظاهر للعيان مؤامرة تُرصد لها الأموال الطائلة، تنفَّذ عن طريق منظمات وجماعات يهودية منذ عام 1967م وحتى الآن، تهدف إلى هدم المسجد الأقصى لتفريغ القضية من محتواها وجوهرها، وتمَّ ذلك عن طريق أعمال حفائر، مرَّت بمراحل باءت كلها بالفشل، وما زالت المحاولات مستمرةً، وستبوءُ كلها بالفشل بإذن الله ما دام هناك مرابطون فيه وعلى أكنافه، وما دام هناك رجال مؤمنون ونساء مؤمنات، يضحُّون ويبذلون وينصرون الله ورسوله، ويدافعون عن مقدساتهم في كل بقاع الأرض.

بدأت المؤامرة في أعقاب احتلالهم للقسم الثاني من القدس في أواخر عام 67، وتمَّ هدم حي المغاربة نهائيًّا، وبدأت الحفائر منذ عام 1968م، واستكملوها عام 1969م، وفي نفس العام تمَّ حرق المسجد الأقصى، وأخيرًا يعلن نتنياهو- من نفس القاعة التي أعلن فيها بن جوريون إعلان دولتهم المزعومة- ضمَّ الحرم الإبراهيمي لآثارهم، تحت مباركة من الصهاينة، الذين قالوا: "القرار هو إنجاز هام وتاريخي"، ويرصدون له 100 مليون دولار؛ بهدف ربط أجيالهم القادمة بدولتهم الغاصبة!.

وفي الوقت الذي تزور فيه وزيرة خارجية أمريكا دولنا العربية، لشحنها ضد إيران، يخيِّم الصمت الرهيب على الأقصى، بينما الصهاينة يغتالون محمود المبحوح في عمق وطننا العربي، وعلى مرأى ومسمع وصمت مخزٍ من العالم كله، ويقمعون أية مبادرة فلسطينية للتعبير عن غضبهم بأرضهم فلسطين، مع استمرار الحصار القاتل على أهلنا في غزة، فأين الصوت العربي المدافع عن حقوق الأمة، والواجب أن تخصص له المؤتمرات، مثل اهتمام أمريكا بإقامة مؤتمرات حول علاقتها بالشرق الأوسط، أو عن مستقبل الإسلام السياسي، أم رضينا أن نكون في عداد المتفرجين؟!

واجباتنا نحو الأمل القادم
سنة الله تعالى في التدافع بين الناس أن تكون الأيام سجالاً بين مكر الماكرين وعمل المؤمنين، وكلما وفَّى المؤمنون بعهدهم مع الله ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ (البقرة: من الآية40) وشروط نصر الله، منحهم الله نصره ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ (محمد: من الآية 7) وأيَّدهم بعونه ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ المشركون﴾ (التوبة: 33)، وهذا يحتاج منا أن نبد أولاً بإيمان النفوس: ﴿وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينْ﴾ (آل عمران: 139) ثم الثبات على إسلامنا والاستقامة على النهج القويم، الذي نؤمن به ونسعى إلى تحقيقه: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾ (هود: من الآية 112)، ثم عبْر عمل متواصل وخالص لوجه الله تعالى، مهما كانت التضحيات والمحن التي تواجهنا.. ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِه﴾ (الحج: من الآية 78).

ولذلك فمِن أولى واجباتنا إزالة حاجز الخوف ممن يمكرون بنا، بعد أن ظهر للعالم أجمع إصرارهم الدائم على الفساد، ومحاربتهم المتواصلة للصلاح وأهل الإصلاح، وبعد أن قضى الله عليهم باليأس من هذا الدين منذ خمسة عشر قرنًا ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ﴾ (المائدة: من الآية 3)، فماذا بعد وضوح وعد الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم أمام أبناء الأمة إلا الاتباع لمنهج الإسلام، في صد المشروع الأمريكي الصهيوني، الذي يرمي إلى تركيعنا لإرادتهم، وفرض هيمنتهم، وامتصاص ثرواتنا، وإفساد أبنائنا، والعصف ببيوتنا وهم ينفقون في سبيل ذلك ما لا يُحصى من الإمكانيات المادية والبشرية، ولكنَّ الله تعالى يبشِّرنا بأن كل ذلك المكر سيبور، وأن وعد الله هو الحق:﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُون﴾(الأنفال: 36)؟!

ولقد رأينا ثمار هذه الدعوة المباركة- رغم كيد الكائدين وحصار الطغاة الظالمين- تتجلَّى في هذا الوعي العميق، والحماس المشتعل في نفوس المسلمين، خاصةً في أوساط الشباب؛ لإحياء هذه الأمة من جديد، تاركين وراءهم كل ملذَّات الدنيا، ومتحرِّرين من معوقاتها وقيودها؛ تحقيقًا لأمر الله تعالى: ﴿أُدْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينْ﴾ (المائدة: من الآية 23)، فواسع الأمل الذي تُبني به الأمم معقود بيد الشعوب التي تمتلك الإرادة وتستعد للتضحية، فإن بإمكانها أن تقهر هذا المكر، وتغلب هذا الكيد، كما يقف الشعب التركي اليوم وراء قيادته في التصدي لحصار المكائد والمؤامرات.

أخيرًا.. ولن يخلف الله وعده
يقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُو يَبُورُ﴾ (فاطر: من الآية 10)، فمهما حاولوا من مكر، فقد ظهر زيفهم لأولي البصائر والنهى، يقول الإمام البنا: "فترى كيف يطغى الباطل في صولته، ويعتزُّ بقوته، ويطمئنُّ إلى جبروته، ويغفل عن عين الحق التي ترقبه، حتى إذا فرح بما أوتي أخذه الله أخذ عزيز مقتدر.. أبت إرادة الله إلا أن تنتصر للمظلومين، وتأخذ بناصية المهضومين المستضعفين، فإذا الباطل منهارٌ من أساسه، وإذا الحق قائمُ البنيان، متينُ الأركان، وإذا أهله هم الغالبون".

ويقول تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ (يوسف: 110), جاءت هذه الآيات لتطمئن المؤمنين أن ظروف الاستضعاف ومواجهة أهل البغي والعدوان والإفساد؛ لا تؤثر في إيمانهم، ولا تقدح في صدقهم، كقوله تعالى: ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46) فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (47)﴾ (إبراهيم).

يقول الإمام البنا: "وإننا نرقب تأييد الله ونصرته، ومن نصره الله فلا غالب له.. ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ مَوْلَى الَّذِيْنَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِيْنَ لاَ مَوْلَى لَهُمْ﴾ (محمد: 11)، فقوة دعوتنا وحاجة الناس إليها ونَبَالة مقصدنا وتأييد الله إيانا؛ هي عوامل النجاح التي لا تثبت أمامها عقبة، ولا يقف في طريقها عائق.. ﴿وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: 21).
والله أكبر ولله الحمد.

الحقوق محفوظة لـ - مدونة المرايا المستوية | الإخوان المسلمون