الأربعاء، 3 فبراير 2010

اخى الحبيب

أكتب إليك.. شوقًا إليك، فنفسي تتوق إلى رؤيتك، وتهفو إلى لـُقياك، وقلبي يميل إلى وصالك، ويحن إلى مُحََيّاك، ووجداني يسمو بقربك، ويبش بذكراك، صوتك أُخَيّ يُطرب أُذنيّ، ورؤيتك تكحـل عينيّ، أحبك في الله وحبك يسري في الحنايا ويجري في شراييني، أحبك في الله أخي وحبك زاد وأي زاد!! فإن كان النظر في وجوه الصالحين عبادة كما يقولون فكيف يكون الحال إذا أحببنا الصالحين- أحسبك كذلك والله حسيبك- واقتدينا بهم وسرنا على منوالهم؟! ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ﴾ (الأنعام: من الآية 90)، وكيف يكون الأمر إذا كنا من الصالحين نتخلق بأخلاقهم ونصنع مثلما صنعوا ونفعل مثلما فعلوا؟!! ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97) (النحل).

* أحبك في الله أخي لأن حبك سبيل لأن نستظل بظل الله يوم القيامة يوم لا ظل إلا ظله فاسمع بقلبك وعقلك ووجدانك، فالله ينادينا إن كنا متحابين فيه: "أين المتحابون بجلالي اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي".

* أحبك في الله أخي لأن حبك طريق لحب الله إلينا أكاد أسمع دقات قلبك وهي تنبض فرحة مسرورة لسماع قول الله عز وجل: "وجبت محبتي للمتحابين فيّ والمتجالسين فيّ والمتزاورين فيّ والمتباذلين فيّ" (صحيح رواه مالك في الموطأ)، وقول حبيبنا صلى الله عليه وسلم: "ما تحابّ اثنان في الله إلا كان أحبهما إلى الله أشدهما حبًّا لصاحبه".

* أحبك في الله أخي لأن حبك يوم القيامة وسيلة للأمن يوم يفزع الناس، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن من عباد الله عبادًا ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء لمكانتهم عند الله تعالى". قيل يا رسول الله من هم لعلنا نحبهم؟ قال "هم قوم تحابوا بنور الله من غير أرحام ولا أنساب، وجوهم نور على منابر من نور لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس" ثم قرأ ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) (يونس: 62)" (رواه النسائي وابن حبان).

* أحبك في الله أخي وأحب الجلوس إليك لأن حبك سبيل لأن نكون ممن يُباهي الله بهم ملائكته في عليائه، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على حلقة من أصحابه فقال "ما أجلسكم؟" فقالوا جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام ومنّ به علينا. فقال صلى الله عليه وسلم: "آلله ما أجلسكم إلا هذا؟!" قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذلك، فقال صلى الله عليه وسلم: "أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم ولكنه أتاني جبريل فأخبرني أن الله يُباهي بكم ملائكته".

أخي الحبيب..

أرأيت هذا الثواب الجزيل الذي أعده الله للمتحابين فيه من عباده؟!

* ألست معي بأننا في حاجة ماسة إلى هذا الثواب؟!! ألست معي بأننا ونحن نعيش في هذه الدنيا التي كثرت فيها الشهوات وسيطرت فيها الماديات وسما فيها المفسدون ألست معي بأننا في حاجة كبيرة إلى أخ صالح يذكرنا الله إذا ما نسينا ويعيننا إذا ما قصرنا ويعلمنا إذا ما جهلنا ويحسن إلينا إذا ما أسأنا ويصلنا إذا ما قطعنا ويأخذ بأيدينا إذا ما تعثرنا ولا يتركنا إلى شيطاننا وأنفسنا الأمارة بالسوء ويظهر لنا حسناتنا ويستر علينا سيئاتنا.

وترى الكريم إذا تصرّم وصله يخفي القبيح ويظهر الإحسانا

وترى اللئيـم إذا تقضّى وصله يخفي الجميل ويظهـر البهتانا

* ألست معي أخي الحبيب بأننا في حاجة ملحة إلى أخ مؤمن يدعو لنا بظهر الغيب في ورد الرابطة عند الغروب بدعوات صالحات هي بإذن الله مستجابة كما أخبرنا بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم.

* ألست معي بأننا في حاجة كبيرة إلى أن نفوز بحب الله وغفرانه وجميل عفوه ومثوبته وذلك لما يتم بين المتحابين في الله من نظرة حب نتبادلها، ومن مصافحة، ومن تبسم في وجوه بعضنا البعض، ومن تزاور ومن تجالس في الله، ومن تواصٍ بالحق وتذكير به بيننا.

العين توحي ولا تبوحي فأنت قلبي وأنت روحي

الحب عندي يكون أحلى بلا كـــلام ولا شــــروح

عيون للسماء تبوح سرًّا وقد تغني العيون عن البيان

أحاسيس تبدت في نفوس فـأبـدتهـا العـيـون بلا لسـان

* ألست معي أننا بالأخوة نمتلك الدنيا وحذافيرها والآخرة بإذن الله ونعيمها، وقديمًا سأل صحفي الإمام البنا رحمه الله تعالى هل أنت غني؟! قال نعم بهذه القلوب التي تحابت معي في الله. قال الصحفي أقصد الغنى المادي. قال نعم أنا غني لأن كل ما في جيوب الإخوان ملك للدعوة.

أُخوَّتنا نجاة لنا عند الفتن

أخي الحبيب..


قد تختلف رؤانا وأفكارنا وتتنوع مشاربنا ونظراتنا لكن اليقين الذي لا ريب فيه ولا شك معه أن الحب في الله يجمعنا ورابطة الأخوة في الله تضمنا وسلامة الصدر ونبل المقصد يشملنا فلا شك في النوايا ولا اتهام لها فيقيني أنك ترجو الله كما أرجو وتبتغي برأيك الخير للدعوة كما أبتغي وتغار على الدعوة كما أغار فلقد تباينت آراء الصحابة والتابعين واختلفت عقولهم وما اختلفت قلوبهم فالأخوة هي العاصمة من الزلل والواقية عند العثرات.

أخي الحبيب..

أنت وأنا تعرضنا لمحن أكول وشدائد عضوض وأهوال ضروس وفتن كقطع الليل المظلم فما زادنا ذلك إلا حبًّا في الله على حبنا وأخوة على أخوتنا وخرجنا من أنياب هذه الفتن العاتية أصلب عودًا وأقوي شكيمة وأمضى عزيمة، فالله الله في دعوتنا أيها الإخوان، الله الله في إخوتنا أيها الإخوان، الله الله في الناشئة التي تنطلق في طريق دعوتنا مقتبسة من فعالنا ومقتدية من تصرفاتنا، الله الله في دعوتنا التي يتربص بها الحاقدون ويرتقب ضعف أخوتنا المجرمون ليصوبوا عليها سهام غدرهم ويصبون عليها ونيران حقدهم ويثيرون في وجهها غبار الشبهات.

أخي الحبيب..

إن الذين يعيشون في ظل الحب والأخوة في الله يحسون بسعادة وراحة نفسية تملك عليهم نفوسهم وشغاف قلوبهم لا يحظى بمثلها من يجتمعون على عَرَض من أعراض الدنيا في تجارة أو لهو أو متاع دنيوي، لذا نجد الأخ الصادق في أخوته يشعر بوحشة شديدة إذا غاب عن إخوانه أو إذا اضطرته الظروف أن يكون بعيدًا عنهم.

أخي أنا أنت وأنت أنا نحن روحان حللنا بدنا

**********

الحب سر لدى الرحمن منبعـه لا الجنّ تعرف ما يطوي ولا البشر

الحب من قبس الخلاق جذوته هـــو اليقـيــن وكـم لاحـت به عبـر

الحب نـور يظـل الظلـم يرهبه ومـا سـوى الحـب قهـار ومنتصــر

ولقد فهم الصحابة هذا فكانوا أشد حرصًا عليه فهذا هو الفاروق عمر رضي الله عنه يقول: (إذا أصاب أحدكم ودًّا من أخيه فليتمسك به فقلما يصيب ذلك)، وهذا علي رضي الله عنه يقول: (عليكم بالإخوان فإنهم عدة الدنيا والآخرة ألا تسمع إلى قول أهل النار ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (100) (الشعراء)، واسمع معي إلى الحسن البصري رضي الله عنه يقول: (إخواننا في الله أحب إلينا من أهلنا وأولادنا لأن أهلنا رؤيتهم تذكر الدنيا وإخواننا في الله رؤيتهم تذكر الآخرة)، وها هو أحدهم يقول: (استكثروا من الإخوان فإن لكل مؤمن شفاعة فلعلك تدخل في شفاعة أخيك).

مواقف عظيمة

* وانظر أخي إلى مشاعر الإمام الشافعي حينما مرض أخوه في الله محمد بن عبد الحكم قال:

مرض الحبيب فعدته فمرضت من حذري عليه

فأتى الحبيب يعودني فـبـرئت مـن نظـري إليـه

فأي مشاعر نقية كانت تحيا في قلوب هؤلاء!! وأي عواطف زكية كانت تمتلئ بها صدور هؤلاء!! وأي أحاسيس نبيلة كانت تملك عليهم نفوسهم وتسري في عروقهم وتسمو بوجدانهم؟!! إنه الحب في الله

* أمر بعض الخلفاء بضرب رقاب بعض الصالحين وفيهم أبو الحسين النوري فبادر إلى السياف ليكون أول مقتول فقيل له في ذلك فقال: أحببت أن أوثر إخواني بالحياة في هذه اللحظات فكان ذلك سببًا في نجاتهم جميعًا.

إن أخاك الحق من كان معـك ومـن يضر نفسه لينفعـك

ومن إذا ريب زمان صدعــك وشتت فيه شمله ليجمعـك

أخي الحبيب..

يقول الأستاذ مصطفى مشهور رحمه الله (قد تأتي على الأخ لحظات فتور أو غفلة أو نسيان أو استجابة لوسوسة الشيطان فلو كان وحده لتمادى واستمرأ تلك الأحوال ولتعرض للضياع والهلاك "إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية" أما إذا كانت له صحبة صالحة فلن يتركوه إلى نفسه وشيطانه فالصحبة الصالحة تضاعف من قدرات الفرد وطاقاته حينما يسترشد بآرائهم، وتضاعف من سعادته حينما يشاركونه في مسراته، وتخفف من آلامه وأحزانه ومتاعبه حينما يكونون بجانبه في مصائبه وأحزانه).

الطريق إلى قلب أخيك


وإليك أخي الحبيب بعض الهدايا التي تصل بها إلى قلب أخيك وتستحوذ بها عليه:

1- تقوى الله عز وجل

يقول الله تعالى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (10) (الحجرات)، ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمْ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (71) (التوبة)، ويقول بشر بن الحافي (إذا قصر العبد في طاعة الله سلبه الله تعالى من يؤنسه فالأنيس يُهيئه الله للصادقين رفقًا من الله تعالى وثوابًا للعبد معجلاً).

2- الابتسامة:

"تبسمك في وجه أخيك صدقة".

بسمة كضياء الشمس مشرقة تجلو عن القلب ما قد ران من كدر

3- البدء بالسلام والمصافحة:

قال صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أو لا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم" (رواه مسلم)، يقول عمر بن الخطاب (ثلاث يُصفين لك ود أخيك أن تسلم عليه إذا لقيته، وتوسع له في المجلس، وتدعوه بأحب أسمائه)، ويقول الحسن البصري: (المصافحة تزيد في المودة).

4- الهدية:

"تهادوا تحابوا".

5- حسن الاستماع والإقبال عليه:

يقول سعيد بن العاص (لجليسي عليّ ثلاث، إذا دنا رحبت به، وإذا تحدث أقبلت عليه، وإذا جلس أوسعت له).

6- الإحسان إليه:

يقول أحد الصالحين (عجبًا لمن يشتري المماليك بماله كيف لا يشتري الأحرار بمعروفه)، ويقول آخر (من انتشر إحسانه كثر أعوانه).

أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم فلطالما استعبد الإنسان إحسان

7- حسن الظن والتماس المعاذير:

يقول ابن الاكلمبارك (المؤمن يطلب معاذير إخوانه والمنافق يطلب عثراتهم).

وإذا أخي جاء بذنب واحد جاءت محاسنه بألف شفيع 8- إعلان الحب لأخيك:

عن أبي كريمة المقداد بن معدي يكرب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا أحب الرجل أخاه فليخبره أنه يحبه" رواه أبو داود.

تحبب فإن الحب داعية الحب كم من بعيد الدار في شوق إلى القرب

9- التواضع وخفض الجناح:

﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (الحجر: من الآية 88)، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ (المائدة: من الآية 54).

* فما أجمل الحب في الله تعالى، وما أجلّ الأخوة في الله تعالى، وما أعظم فضلها عند الله تعالى فهي أوثق عرى الإسلام وهي نعمة من الله غالية ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (63) (الأنفال)، هي نعمة تستوجب منا شكر الله عليها ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ (إبراهيم: من الآية 7).

وأختم أخي الحبيب بهذه الأبيات للأستاذ محمد التاجي:

أخي في فؤادي وفي مسمعي وفي خاطري أنت والأضلعِ

أخي في حناياك يجري هواي وروحك في الكون تسري معي

أخي إن بسمت فعن مبسمي وإن أنت نُحْت فمن أدمعي

أخي إن تراءى لعيني الصباح تَبيّنْتُ نورك في المطلعِ

أخي أنا أنت فمن منهل ُسقِينا الحياة ومن مشرعي ِ

أخي أنا أنت فآمالنا وآلامُنا فُضْنَ من منبعي

أخي نغم أنت يحلو به فمي ويهشُ له مسمعي

الاثنين، 25 يناير 2010

اختلاف الكبار


بقلم: محمد عبده

أبو بكر الصديق وعمر الفاروق.. نموذجًا

الاختلاف في المجتمعات أمرٌ حتميُّ الحدوث؛ خاصةً إذا علمنا أن هذه المجتمعات مجتمعاتٌ بشريةٌ لا ملائكية.. مجتمعاتٌ إنسانيةٌ تُصيب وتُخطئ، تسعى إلى الحق وقد لا تدركه كله، وتهرب من الباطل وقد تقع في بعضه.

وأفراد هذه المجتمعات قد يكونون مأجورين في كل الأحوال متى خلصت النوايا وصدقت المقاصد، ولقد قرأت حديثًا تأثرت به أيَّما تأثُّر، وتعلَّمت منه كثيرًا فأردت أن أنقل إلى إخواني ما فيه من فائدة وما به من خير، أسأل الله أن يجمعَ به القلوب، ويلمَّ به الشمل، وتتوحَّدَ به الكلمة، وأن يطرد الشيطان ويدحره، فلا يكون له مكان في قلوب المتآخين حتى وإن اختلفوا.

يَقُولُ أَبَو الدَّرْدَاءِ: كَانَتْ بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ مُحَاوَرَةٌ، فَأَغْضَبَ أَبُو بَكْرٍ عُمَرَ فَانْصَرَفَ عَنْهُ عُمَرُ مُغْضَبًا، فَاتَّبَعَهُ أَبُو بَكْرٍ يَسْأَلُهُ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُ فَلَمْ يَفْعَلْ حَتَّى أَغْلَقَ بَابَهُ فِي وَجْهِهِ، فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ وَنَحْنُ عِنْدَهُ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَمَّا صَاحِبُكُمْ هَذَا فَقَدْ غَامَرَ"، قَالَ: وَنَدِمَ عُمَرُ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ، فَأَقْبَلَ حَتَّى سَلَّمَ، وَجَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَصَّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْخَبَرَ، قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: "وَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَجَعَلَ أَبُو بَكْرٍ يَقُولُ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لأَنَا كُنْتُ أَظْلَمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "هَلْ أَنْتُمْ تَارِكُونَ لِي صَاحِبِي؟ هَلْ أَنْتُمْ تَارِكُونَ لِي صَاحِبِي؟ إِنِّي قُلْتُ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا فَقُلْتُمْ كَذَبْتَ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ صَدَقْتَ" قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: "غَامَرَ: سَبَقَ بِالْخَيْرِ".

هذا الحديث تتجلى فيه طبيعةٌ من طبائع البشر مهما علَت مكانتهم، ومهما عظُم قدرُهم، ومهما كان سبقُهم إلى الإسلام، وأيًّا كانت مكانتهم من الرسول صلى الله عليه وسلم الموحى إليه من رب العالمين.

هذا الاختلاف بين مَن؟! إنه بين أبي بكر الملقَّب بالصدِّيق، وثاني اثنين إذ هما في الغار، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وصاحب الإيمان الذي إن وُضع في كفة وإيمان الأمة في كفة لرجحت كفة إيمانه، وهو خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد موته.. وبين عمر بن الخطاب، الملقَّب بالفاروق، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، والذي إن سلك فجًّا سلك الشيطان فجًّا غيره، كان إسلامه استجابةً لدعوة النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهم أعز الإسلام بعمر" (1) فكانت العزة بإسلامه، يقول أحد من عايشوه: ما رأيت أحدًا قط بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم من حين قُبض كان أجد وأجود حتى انتهى من عمر بن الخطاب، وهو كذلك المستخلف من أبي بكر الصديق قبل وفاته.

نؤكد ونقول: إنه رغم كل هذه المناقب والسيرة الذاتية العظيمة فإنهما قد اختلفا يومًا، اختلفا لهذه الدرجة التي يوصد الفاروق الباب في وجه الصديق، ويرفض المسامحة والمصالحة.

ما يُستفاد من الحديث

(1)

إن الاختلاف أمرٌ طبيعيٌّ بين البشر مهما كانت درجة إيمانهم؛ لأنهم لن يستطيعوا الخروج عن طبيعتهم البشرية التي خلقهم الله عليها، والذين يرفضون ذلك من شخصياتٍ بعينها يعرفونها ويُقدِّرونها.. وإنما ذلك يرجع إلى أنهم أنزلوهم منزلةً غير منزلتهم البشرية، وقدَّسوهم ووضعوهم في أماكن خاصة في نفوسهم.

وكذلك فإن الاختلاف بين أهل الحق سائغٌ ومقبولٌ، ما دام في حدود الشريعة وضوابطها، فلا يكون مذمومًا بل يكون ممدوحًا ومصدرًا من مصادر الإثراء الفكري ووسيلةً إلى الوصول إلى القرار الصائب، وما مبدأ الشورى الذي أقرَّه الإسلام وشدَّد على تطبيقه إلا تشريعٌ لهذا الاختلاف.

(2)

إن أيَّ تجمع إنساني لا غنى له عن التسامح والعفو؛ إذ إن الاحتكاك المتبادل قائمٌ بين أفراد هذا التجمع، والمعاملات مشتركة بينهم في شتى المجالات، وبدهيٌّ أن هذا الاحتكاك لن يخلوَ يومًا من المشادَّات كتلك التي وقعت بين الصدِّيق والفاروق.

هذه المشادَّات منها البسيط ومنها المعقَّد، وخُلقا التسامح والعفو هما الخلقان الكفيلان برأب الصدع حال حدوث أيِّ اختلاف، والبعض- للأسف الشديد- يتخيَّل أن التسامح والتنازل عن الحق والعفو عن زلاَّت الآخرين في حقه عجزٌ وضعفٌ، والكبار فقط هم الذين لا تعنيهم هذه التفسيرات التي تُسيطر عليها الأهواء وتُمليها الشياطين، ويستجيب لها أصحاب النفوس الصغيرة، أما الذين يُحلقون عاليًا، وسمت نفوسهم، وتعالت أخلاقهم فهم يتسامحون مع الناس، ويتساهلون معهم؛ ليس عن ضعف أو عجز، بل عن طمع في أجر المتسامحين وثوابهم، يقول أبو هريرة: "يأتي عليكم زمان يخيَّر فيه الرجل بين العجز والفجور؛ فمن أدرك ذلك الزمان فليختَرْ العجز على الفجور".

وفي هذا الحديث راجَع الفاروق نفسه، فوجد أنه أخطأ في رفضه العفو عن أخيه ومسامحته، ولعله أيضًا تذكَّر مكانة الصديق وفضله وسبقه فلم يطُل الموقف طويلاً حتى أسرع لإدراك صاحبه ومصالحته وقبول عذره، فذهب إلى البيت فلم يجده.

(3)

المراجعة وعدم الاعتداد بالرأي أو التمسك به، فأبو بكر راجع نفسه ولم يعتد بموقفه، ولم يُصرَّ على خطئه، وحاول أن يُصلح ما وقع فيه بالاعتذار وطلب العفو من الفاروق، وكذلك فعل الفاروق، فعندما أغلق على نفسه بابه وراجعها وجد أنه أخطأ في رفض العفو عن صاحبه، ووجد أن إغلاقه الباب في وجهه أمر لا يليق بالصديق، فأسرع صوب بيت أبي بكر يُصالحه ويسترضيه ولكنه لم يجده.

والاعتداد بالرأي والتمسك به من أكبر الآفات التي تهدم العلاقات وتوتِّر الأجواء، وتوغر الصدور، ولا يعني هذا أن يتنازل الأخ عن حقه في إبداء رأيه والدفاع عنه، ولكنَّ الخطأ الحقيقي أن يتخذ الواحد منا لنفسه قناعاتٍ لا يحيد عنها، أو قراراتٍ لا تقبل المراجعة والتصحيح، وحينئذٍ لن يسلم في قراراته من هوى مطغٍ أو خطأ مهلك.

فالمشكلة الحقيقية ليست في التمسك بالرأي أو الدفاع عنه، بل الخطأ في الأهواء والمقاصد التي قد تُصاحب النقاش والحوار.

الخطأ الحقيقي هو أن أعتبر رأيي هو الصواب المطلق، ورأي غيري هو الخطأ المطلق.

الخطأ الحقيقي هو أن يُصاحب إبداء الآراء ووجهات النظر انتفاخ العروق، وحمرة الوجوه، وارتفاع الأصوات.

الخطأ الحقيقي أن تكون عودتي إلى الحق والصواب مشروطةً إما بالأخذ برأيي أو لا.

الخطأ الحقيقي أن يتحوَّل دفاعي عن رأيي إلى جدال ومراء لا طائل من ورائه إلا اختلاف العقول، وتنافر النفوس، وتبادل العداوة والكراهية.

الخطأ الحقيقي أن يكون دفاعي عن رأيي ليس للوصول للحقيقة، بل لإحراج الطرف الآخر والنيل منه.

(4)

التواضع الجمُّ الذي ظهر عليه الأخوان الحبيبان أبو بكر وعمر، فمكانة أبو بكر لم تمنعه من تقديم الاعتذار عندما شعر أنه كان الأظلمَ في تلك المشادَّة التي حدثت بينه وبين أخيه، بل ألحَّ عليه في طلب العفو والمسامحة، حتى إنه لم يكتفِ برفض عمر فاتبعه إلى بيته فكان من عمر ما كان من إغلاق الباب في وجهه.

وعمر عندما شعر بقسوته مع أخيه وراجع نفسه حمله تواضعه على المسارعة إلى بيت أبي بكر لتسوية الخلاف والتغافر فيما بينهما.

والحقيقة أن الإيمان الحي في القلوب كان وراء هذا التواضع وهذه الرغبة المتبادلة في المصالحة، فالدنيا لم تكن تشغل بالهم بقدر ما كانت الآخرة حاضرةً أمام ناظريهم في كل لحظة، وفي كل وقت، فواضحٌ من سياق الحديث أن أبا بكر يريد التحلُّل مما وقع فيه من ظلمٍ في حقِّ صاحبه، وحرص على ذلك بكل الطرق، "فسألته أن يغفر لي فأبى عليَّ"، وواضحٌ أيضًا من سياق الحديث أن أبا بكر ذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لا لشكوى عمر، بل للهمِّ الذي يسيطر عليه من رفض عمر للعفو عنه.

ونحن اليوم في أحيان كثيرة نسعى ونبذل ونضغط، وأحيانًا نرجو ونقبِّل الأيادي أن يرضى المخطئ بالاعتراف بخطئه والاعتذار عنه ورغم ذلك لا يحدث.

(5)

ميثاق الأخوَّة أقوى رغم الاختلاف الذي قد يحدُث بين الحين والآخر، فالحب المتأصِّل في قلب المتآخين لم يتغيَّر ولم يختلف نتيجة وجهات النظر المتباينة أو الاختلاف الحادث بينهما، ظهرت معالم هذا الحب وتمكنه في القلب حينما تمعَّر وجه النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى عمر غضبًا لأبي بكر؟

فأشفق أبو بكر على رفيق دربه، وصديق عمره، وحبيب قلبه، خاف أن يلحق به غضبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتحرَّك بعاطفته المملوءة بالحب لأخيه "فجثا على ركبتيه فقال: يا رسول الله، والله أنا كنت أظلم مرتين" فلم يفرح بتعاطف الرسول معه، ولم يستطل بوقفة الأمير والقاضي معه، إنه لا يريد التشفِّي أو الانتقام، إنه لا يريد إلا العفو والمسامحة.

وهي حقيقة لا بد أن تستقر في قلوب ونفوس ووجدان الإخوان المختلفين مهما كان الاختلاف، ومهما كانت ظروفه وملابساته؛ لأن الاختلاف إلى زوال، والأخوَّة هي الباقية.

(6)

ولا تنسوا الفضل بينكم.. وهي قاعدة لا بد من الأخذ بها ووضعها في الاعتبار، فليس مقبولاً بحال أن تنسينا أخطاء الآخرين فضلهم ومكانتهم وسبقهم وحسن عشرتهم، وليس من المعقول أن نلج في الخصومة حتى تصل إلى درجة العداوة، بل لا بد من التعقُّل، وأيُّ خلاف مهما كان عظيمًا فإن الحل مرجوٌّ، خاصةً إذا كان الاختلاف ليس في أمرٍ قطعيِّ الحرمة، فلا إنكار في مختلف فيه، فكلانا في هذه الحال يحمل جزءًا من الحق، وقد نلتقي ونتكامل متى خلصت النوايا وصدقت المقاصد، وستبقى المواقف والأحداث في نفوس كل منا قد نستطيع تجاوزها، وقد يبقى وخزها في الصدور.

(7)

قبول الأعذار من المخطئين أمرٌ له أهميته، وضرورةٌ ينبغي أن نعمِّقها بيننا؛ فهي من ناحيةٍ تشجيعٌ لمن أخطأ أن يعترف بخطئه ويسعى إلى إصلاحه ولا يخشى الآخرين، ومن ناحية أخرى فإن عدم قبول الأعذار فيه ظلمٌ للمخطئ، وماذا عساه أن يفعل وقد كان قدر الله سابقًا معه، وهو بشرٌ يُصيب ويُخطئ.. "كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون" (حسن، رواه الترمذي وأورده الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ح رقم 3139).

ولقد أنكر النبي صلى الله عليه وسلم على الفاروق رفضه اعتذار أخيه والعفو عنه، وقال ترضيةً لأبي بكر: "يغفر الله لك يا أبا بكر ثلاثًا".

ولم يُحقق فيما وقع من أبي بكر، وكأن الاعتذار والاعتراف بالخطأ بَجُبُّ الخطأ ويمحوه.

(8)

الوحدة أولى من التفرق على أي لوائح أو قوانين تنظم العمل، فاللوائح والقوانين وضعها البشر، وهي بالتأكيد تحتاج إلى تعديل وتطوير، والحركة الإسلامية وهي تؤدي دورها الدعوي لخدمة الإسلام هي بحاجة إلى وضع تلك اللوائح والقوانين التي تكفل انتظام العمل وإنجاحه، هذه اللوائح والقوانين لا يمكن أن تكون سببًا في الفرقة والتنازع، واختلاف القلوب والنفوس، فالملاحظ أن الاختلاف لم يكن قط حول أصل من أصول الدين المتفق عليها، بل كلها آراء واجتهادات ووجهات نظر حول طريقة العمل وأسلوبه، وغاية ما يُقال في كلا الأمرين أن أحدهما راجح والآخر مرجوح.

وهذا لا يستوجب أبدًا شقَّ الصف من أجله، أو الخروج من الجماعة أو على الجماعة لعدم أخذها برأيي، فالاعتصام بالجماعة والائتلاف فيما بينها من أصول الدين.

يقول ابن تيمية: "الاعتصام بالجماعة والائتلاف من أصول الدين، والفرع المتنازع فيه من الفروع الخفية، فكيف يُقدح في الأصل بحفظ الفرع؟" (الفتاوى).

(9)

يجب أن نكون في اختلافنا أكثر رقيًّا وقبولاً للرأي الآخر، دون تجريحٍ أو تشكيك، بل في أدب وعفة فأصل الاختلاف منشأه الوصول إلى الهدف والرأي السديد.

فكم كان النبي- صلى الله عليه وسلم- يستشير أصحابه ويستمع إلى آرائهم، وكانت وجهات النظر بينهم مختلفة ومتباينة في كثيرٍ من الأمور، غير أنهم لم يفترقوا، ولم يخرجوا من الصف.

فقد كان الاختلاف حول المضي في غزوة بدر، وكان الاختلاف في الموقف من أسرى بدر، وما لِيمَ أحدٌ على رأي أبداه أو موقف تبناه، وما تعصَّب منهم لأحد ولا تحزَّب، أو حاول كسب الأنصار وتعاطف المحيطين به، بل كان الحق غايتهم والمصلحة العامة هدفهم.

وقد يُقر النبي- صلى الله عليه وسلم- كلاًّ من المختلفين على رأيه الخاص دون أن يُبدي أي اعتراضٍ أو ترجيح، كما في مسألة أمره صلى الله عليه وسلم للصحابة بصلاة العصر في بني قريظة، فقد صلاها بعضهم في المدينة وبعضهم لم يُصلها إلا بعد صلاة العشاء.

وبعد النبي صلى الله عليه وسلم كانت هناك اختلافات.. حسمت أحيانًا كثيرة بالاتفاق، كما في اختلافهم حول الخليفة بعده صلى الله عليه وسلم، وحول قتال مانعي الزكاة، وحول جمع القرآن الكريم.

وتارةً يبقى الطرفان على موقفهما وهما في غاية الاحترام والتقدير لبعضهما، كما في قصة عائشة وابن عباس في رؤيته عليه الصلاة والسلام للباري جل وعلا، وكما في مسألة إرضاع الكبير بين ابن مسعود والأشعري، وأبو هريرة وابن عباس في الوضوء مما مسته النار، واختلاف عمر مع أبي عبيدة في دخول الأرض التي بها وباء.

(10)

وهناك مواقف من الرواد في مجال الاختلاف، عكست نضج الفكر، وإخلاص القلب، فهذه السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها تقول عن أحد الصحابة وقد اختلفت معه في مسألة: "أما إنه لم يكذب، ولكنه نسي أو أخطأ".

ويقول الشافعي رضي الله عنه: "ألا يستقيم أن نكون إخوانًا وإن لم نتفق في مسألة"، ويقول أيضًا: "ما ناظرتُ أحدًا إلا قلت اللهم اجرِ الحقَّ على قلبه ولسانه، فإن كان الحق معي اتبعني، وإذا كان الحق معه اتبعته".

وأنكر ابن مسعود على عثمان إتمام الصلاة في السفر ثم صلَّى خلفه متمًا، وقال الخلاف شر، وحينما أراد الخليفة العباسي حمل الناس على الموطأ، وهو كتاب مالك وخلاصة اختياره في الحديث والفقه، قال له مالك: "لا تفعل يا أمير المؤمنين"؛ مراعاةً لاجتهادات علماء وأئمة الأقطار الأخرى.

(11)

الشباب والشيوخ، الحرس القديم والحرس الحديث، الإصلاحيون والمحافظون، تقسيمات تظهر، ومصطلحات تُطلق على فريقين اختلفا حول أمور معينة أو أفكار متباينة أو وجهات نظر مختلفة، والسبب في ذلك خروج الاختلاف عن دوائره، فتدخل في إبداء الآراء مَن لا يعرف حقيقة الاختلاف، وتعاطف آخرون مع طرفٍ على حسابِ آخر إما لقناعةٍ برأي وإما تحزبًا لفئةٍ دون الأخرى.

هذا التحزب دفع البعض للمغالاة في تحليلاتهم، والتي وصل فيها الحد إلى دعوة أحد الفريقين إلى الخروج عن الصفِّ وإيهامه تصريحًا أو تلميحًا أنَّ له أتباعًا وأنصارًا سيقفون خلفه ويُساندونه في أفكاره ومبادئه، رغم أن فريقيّ الاختلاف أنفسهم ربما لم يفكروا في هذا أبدًا، ولستُ أدري كيف يُفكِّر مَن يطلب هذا الطلب الغريب الذي يُفرِّق ولا يُجمع؟؟!.

فبدلاً من بذل النصح والسعي للإصلاح بين الفريقين إذا بهم يزيدون من نار الفتنة، ويشعلون نارها كلما أوشكت على الانطفاء.

يحضرني الآن موقف في السيرة النبوية اختلف فيه فريقان، ينتمي كل منهما إلى مدرسة، وإذا أردنا تسمية المدرستين يمكننا وبسهولة ودون تكلف، وكما جاء في كتب السيرة أن نقول إنهما جيلان جيل الشباب وجيل الشيوخ، فلقد اختلف شباب الصحابة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حول الخروج لمقاتلة قريش خارج المدينة في غزوة أحد (كان هذا رأي الشباب) وبين مقاتلتهم داخل المدينة (وكان هذا رأي النبي صلى الله عليه وسلم ومعه كبار الصحابة).

إنهم متفقون على الأصل، وهو مقاتلة الغزاة ومحاربتهم، ولكنهم اختلفوا في الأسلوب والطريقة، تُرى ماذا لو أن الرسول صلى الله عليه وسلم رفض رأيهم وأصرَّ على مقاتلتهم داخل المدينة، هل كان ذلك سيكون سببًا وجيهًا لخروج شباب الصحابة عن الصفِّ ورفضهم للجهاد في سبيل الله، اللهم لا!!!.

بل إنَّ أدبهم الجم دفعهم أن يردوا الأمر ثانيةً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ خشيةَ أن يكونوا قد استكرهوا قائدهم، والأجمل من ذلك أن كبار الصحابة لمَّا قرر الرسول صلى الله عليه وسلم النزول إلى رأي الشباب لم نرَ تذمرًا أو تكتلاً باسم "شيوخ الصحابة" هدفه التشهير بالفريق الآخر، اللهم إلا الفريق المعروف بالنفاق، والذي انسحب من المعركة قبل أن تبدأ.

وهل كان من المقبول أن يخرج شيوخ الصحابة وكبارهم ويتركوا جهاد الكفار؛ لأن ذلك لم يكن رأيهم، اللهم لا!!!!

ورغم أن نتائج المعركة كانت قاسيةً إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يلُم أحدًا قط، ولم يَعزُ الهزيمة إلى الأخذ برأيهم، بل نزلت الآيات لتؤكد الشورى ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ (آل عمران: من الآية 159).

(12)

مسألة تقديس الأفراد والأشخاص قد تكون جزءًا من وصول الاختلاف إلى نقطة اللاعودة في كثيرٍ من الأحيان، فالشخص الذي يرتبط بآخر ويتعلق به، ويرسم له صورة أقرب للملائكية منها للبشرية تجعله يظن أن فلانًا لا يمكن أن يقع في خطأ أبدًا، حتى إذا حدث يومًا ثمة خطأ قامت الدنيا ولم تقعد.

أذكر أن أخوين كريمين حبيبين تربطهما علاقة تشبه في قوتها وشدة متانتها رباط الزوجية الذي لا ينفصم عراه إلا في أشدِّ الظروف وأعقدها، هذان الأخوان اختلفا يومًا واستوجب ذلك تدخل الوسطاء للمصالحة والتقريب بينهما، ولأن هذه العلاقة كان من المستحيل أن يشوبها يومًا ما ما يُعكر صفوها (هكذا كان يظن كل مَن يعرفهما)، فقد سمعتُ ممن يعرفهما يقول: "لقد كفرتُ بجميع العلاقاتِ بين الناس".

من هنا وجب تأكيد أن البشر هم البشر مهما كان ورعهم، ومهما كان إخلاصهم، ومهما كانت تقواهم وقربهم من الله، الخطأ منهم وارد، والوقوع في الزلل منهم متوقع، وهذا لا يُقلل من شأنهم، ولا ينتقص من قدرهم.

ومن الضرورة بمكان أن ينتبه أهل السبق والفضل أن الصغيرة منهم كبيرة، والقليل منهم كثير، وما يجوز من الآخرين ويُقبل منهم لا يجوز في حقهم ولا يُستساغ قبوله منهم، هكذا يُنظر إليهم من الآخرين، فليحذر الجميع أن يكونوا سببًا في فتنتهم.

(13)

ونختم هذا الموضوع بأن نكون في حال الاختلاف على قدر المسئولية، وأن نحكِّم عقولنا في كل ما نقول ونسمع، فلا نتناقل أخبارًا ونرددها دون توثيقها أو التأكد منها، فنشيع الفتنة ونزيد من مساحة الاختلاف القائم.

بل لا بد من التريث والصبر والدعاء، وإذا كان لنا من محاولةٍ فهي محاولة لتقريب وجهات النظر، والسعي لوحدة الصف، لا للتحيز مع طرفٍ على حساب الآخر.

كما أن على المختلفين أن يسمعوا لبعضهما بهدوء، وبعيدًا عن الضجيج الإعلامي الذي يعنيه في مقامه الأول السبق الصحفي، ونشر الأخبار الساخنة التي تُدر عليه ربحًا، فالإعلام ليس وسيطًا يُرجى من ورائه خير في مجال التقريب بين المختلفين أو الوصول إلى الرشد والصواب.

الحصار .. الحصار

شعار ترفعه حكومة مصر مع من يعارضها فاذا عارضها احد فى الداخل كالاخوان المسلمين حاصروهم بالسجون والاعتقالات واذا عارضهم خصومهم السياسيين حاصروهم بالمشكلات والانقلابات داخل الاحزاب وما حدث فى حزب الوفد والغد ليس ببعيد وها نحن امام معارضين من نوع اخر معارضين للاستسلام والظلم، معارضين للاحتلال، معارضين لانتهاك المقدسات الاسلاميه منها والمسيحيه ،معارضين لسقوط الاقصى فى ايدى اليهود، معارضين لان يركع شعبهم امام طغيان الاحتلال، معارضين لانتهاك الحريات على ارضهم ، فإذا بحكومتنا الغراء تفرض حصارا شديدا علي اهلنا فى غزه حصارا لم يعرفه التاريخ حصار اشد من خط بارليف العتيد فى زمانه فتقوم بأموال شعبها المستسلم ببناء جدار فاصل على الحدود المصريه الفلسطينيه يصل عمقه الى 18 متر بدعوى تامين الحدود والامن القومى واى امن يدعونه امن الجنود المصريين على الحدود الذين اطلق عليهم الرصاص من الدبابات الاسرائيليه ولم تحرك حكومتنا ساكنا واكتفت بقول العدو انها اصابة خاطئه او امن الحكومه التى تخشى ان تنتقل عدوى الديمقراطيه التى تتبعها حماس فى غزه او عدوى كرامة هذا الشعب الصامت المثابر رغم المحن التى تتوالى عليها من حرب عليه ليل نهار ومن تهديم لمنازله ومن تجويع لاطفاله ومع ذلك لا يركع ولا يستسلم ويستمسك بحبل الله المتين ويقف وراء قيادته مفتحرا انه لن يستطيع احد ان يهزمه .

اى امن تخافون ياساده انكم لا تخافون الا على امنكم انتم لا امن هذا الوطن العزيز علينا والذى نحميه بكل غال ورخيص ، ان فلسطين قطعه من ارضنا الاسلاميه لا يجب ان يفصلنا عنها شئ بل وجب عليكم ايها الحكام ان تسارعوا بفتح المعابر والطرق امام اخواننا المحاصرين لا ان تقفوا امامهم وتسدوا كل طريق اليهم .

ان امن مصر لا يكون الا بامن فلسطين فهى الحاميه لحدودنا ضد اى اختراق اسرئيلى ان اطماع اسرائيل الكبرى لازالت موجوده ومرسومه على الكنيست الاسرائيلى من النيل الى الفرات والذى يوقف هذا المخطط هم هؤلاء الرجال المجاهدون على ارض فلسطين فان هزم هؤلاء -ولن يكون ذلك ان شاء الله – كانت بوابة مصر مفتوحه امامهم

يا حكامنا افيقوا من ثباتكم الذى طال واصلحوا بينكم وبين شعوبكم وكونوا صفا واحدا امام عدونا الحقيقى الذى يرقد على الحدود ينتظر ساعة الصفر لكى يظفر بنا .

يا حكامنا ليس ابناء غزه هم الخطر عليكم بل انهم المدافعين عنكم فشعوبنا المسلمه كالجسد الواحد اذا اشتكى منهم عضو تداعى له سائر الاعضاء بالسهر والحمى .

يا حكامنا اننا نتطلع اليكم ان تكون نصرة هذا الدين على ايديكم، نتطلع ان يكون من بينكم من يحمل راية الجهاد ليحرر الاقصى، لا من يحمل راية الاستسلام والحصار لمن اراد ان يحرر الاقصى .

ويا كل صوت جرئ وحر فى هذا الوطن، يا كل صاحب منبر تخطب منه للناس، يا كل عالم يحمل راية الهدايه للعالمين، كونوا صفا واحد امام هذا الجدار اجعلوه فى كتابتكم ومنتدياتكم وفى صالونكم الثقافى وفى خطبكم ولنبدأ معا حملة اسقاط الحصار .

ابو حسام

الحقوق محفوظة لـ - مدونة المرايا المستوية | الإخوان المسلمون