الاثنين، 25 يناير 2010

اختلاف الكبار


بقلم: محمد عبده

أبو بكر الصديق وعمر الفاروق.. نموذجًا

الاختلاف في المجتمعات أمرٌ حتميُّ الحدوث؛ خاصةً إذا علمنا أن هذه المجتمعات مجتمعاتٌ بشريةٌ لا ملائكية.. مجتمعاتٌ إنسانيةٌ تُصيب وتُخطئ، تسعى إلى الحق وقد لا تدركه كله، وتهرب من الباطل وقد تقع في بعضه.

وأفراد هذه المجتمعات قد يكونون مأجورين في كل الأحوال متى خلصت النوايا وصدقت المقاصد، ولقد قرأت حديثًا تأثرت به أيَّما تأثُّر، وتعلَّمت منه كثيرًا فأردت أن أنقل إلى إخواني ما فيه من فائدة وما به من خير، أسأل الله أن يجمعَ به القلوب، ويلمَّ به الشمل، وتتوحَّدَ به الكلمة، وأن يطرد الشيطان ويدحره، فلا يكون له مكان في قلوب المتآخين حتى وإن اختلفوا.

يَقُولُ أَبَو الدَّرْدَاءِ: كَانَتْ بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ مُحَاوَرَةٌ، فَأَغْضَبَ أَبُو بَكْرٍ عُمَرَ فَانْصَرَفَ عَنْهُ عُمَرُ مُغْضَبًا، فَاتَّبَعَهُ أَبُو بَكْرٍ يَسْأَلُهُ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُ فَلَمْ يَفْعَلْ حَتَّى أَغْلَقَ بَابَهُ فِي وَجْهِهِ، فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ وَنَحْنُ عِنْدَهُ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَمَّا صَاحِبُكُمْ هَذَا فَقَدْ غَامَرَ"، قَالَ: وَنَدِمَ عُمَرُ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ، فَأَقْبَلَ حَتَّى سَلَّمَ، وَجَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَصَّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْخَبَرَ، قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: "وَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَجَعَلَ أَبُو بَكْرٍ يَقُولُ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لأَنَا كُنْتُ أَظْلَمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "هَلْ أَنْتُمْ تَارِكُونَ لِي صَاحِبِي؟ هَلْ أَنْتُمْ تَارِكُونَ لِي صَاحِبِي؟ إِنِّي قُلْتُ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا فَقُلْتُمْ كَذَبْتَ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ صَدَقْتَ" قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: "غَامَرَ: سَبَقَ بِالْخَيْرِ".

هذا الحديث تتجلى فيه طبيعةٌ من طبائع البشر مهما علَت مكانتهم، ومهما عظُم قدرُهم، ومهما كان سبقُهم إلى الإسلام، وأيًّا كانت مكانتهم من الرسول صلى الله عليه وسلم الموحى إليه من رب العالمين.

هذا الاختلاف بين مَن؟! إنه بين أبي بكر الملقَّب بالصدِّيق، وثاني اثنين إذ هما في الغار، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وصاحب الإيمان الذي إن وُضع في كفة وإيمان الأمة في كفة لرجحت كفة إيمانه، وهو خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد موته.. وبين عمر بن الخطاب، الملقَّب بالفاروق، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، والذي إن سلك فجًّا سلك الشيطان فجًّا غيره، كان إسلامه استجابةً لدعوة النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهم أعز الإسلام بعمر" (1) فكانت العزة بإسلامه، يقول أحد من عايشوه: ما رأيت أحدًا قط بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم من حين قُبض كان أجد وأجود حتى انتهى من عمر بن الخطاب، وهو كذلك المستخلف من أبي بكر الصديق قبل وفاته.

نؤكد ونقول: إنه رغم كل هذه المناقب والسيرة الذاتية العظيمة فإنهما قد اختلفا يومًا، اختلفا لهذه الدرجة التي يوصد الفاروق الباب في وجه الصديق، ويرفض المسامحة والمصالحة.

ما يُستفاد من الحديث

(1)

إن الاختلاف أمرٌ طبيعيٌّ بين البشر مهما كانت درجة إيمانهم؛ لأنهم لن يستطيعوا الخروج عن طبيعتهم البشرية التي خلقهم الله عليها، والذين يرفضون ذلك من شخصياتٍ بعينها يعرفونها ويُقدِّرونها.. وإنما ذلك يرجع إلى أنهم أنزلوهم منزلةً غير منزلتهم البشرية، وقدَّسوهم ووضعوهم في أماكن خاصة في نفوسهم.

وكذلك فإن الاختلاف بين أهل الحق سائغٌ ومقبولٌ، ما دام في حدود الشريعة وضوابطها، فلا يكون مذمومًا بل يكون ممدوحًا ومصدرًا من مصادر الإثراء الفكري ووسيلةً إلى الوصول إلى القرار الصائب، وما مبدأ الشورى الذي أقرَّه الإسلام وشدَّد على تطبيقه إلا تشريعٌ لهذا الاختلاف.

(2)

إن أيَّ تجمع إنساني لا غنى له عن التسامح والعفو؛ إذ إن الاحتكاك المتبادل قائمٌ بين أفراد هذا التجمع، والمعاملات مشتركة بينهم في شتى المجالات، وبدهيٌّ أن هذا الاحتكاك لن يخلوَ يومًا من المشادَّات كتلك التي وقعت بين الصدِّيق والفاروق.

هذه المشادَّات منها البسيط ومنها المعقَّد، وخُلقا التسامح والعفو هما الخلقان الكفيلان برأب الصدع حال حدوث أيِّ اختلاف، والبعض- للأسف الشديد- يتخيَّل أن التسامح والتنازل عن الحق والعفو عن زلاَّت الآخرين في حقه عجزٌ وضعفٌ، والكبار فقط هم الذين لا تعنيهم هذه التفسيرات التي تُسيطر عليها الأهواء وتُمليها الشياطين، ويستجيب لها أصحاب النفوس الصغيرة، أما الذين يُحلقون عاليًا، وسمت نفوسهم، وتعالت أخلاقهم فهم يتسامحون مع الناس، ويتساهلون معهم؛ ليس عن ضعف أو عجز، بل عن طمع في أجر المتسامحين وثوابهم، يقول أبو هريرة: "يأتي عليكم زمان يخيَّر فيه الرجل بين العجز والفجور؛ فمن أدرك ذلك الزمان فليختَرْ العجز على الفجور".

وفي هذا الحديث راجَع الفاروق نفسه، فوجد أنه أخطأ في رفضه العفو عن أخيه ومسامحته، ولعله أيضًا تذكَّر مكانة الصديق وفضله وسبقه فلم يطُل الموقف طويلاً حتى أسرع لإدراك صاحبه ومصالحته وقبول عذره، فذهب إلى البيت فلم يجده.

(3)

المراجعة وعدم الاعتداد بالرأي أو التمسك به، فأبو بكر راجع نفسه ولم يعتد بموقفه، ولم يُصرَّ على خطئه، وحاول أن يُصلح ما وقع فيه بالاعتذار وطلب العفو من الفاروق، وكذلك فعل الفاروق، فعندما أغلق على نفسه بابه وراجعها وجد أنه أخطأ في رفض العفو عن صاحبه، ووجد أن إغلاقه الباب في وجهه أمر لا يليق بالصديق، فأسرع صوب بيت أبي بكر يُصالحه ويسترضيه ولكنه لم يجده.

والاعتداد بالرأي والتمسك به من أكبر الآفات التي تهدم العلاقات وتوتِّر الأجواء، وتوغر الصدور، ولا يعني هذا أن يتنازل الأخ عن حقه في إبداء رأيه والدفاع عنه، ولكنَّ الخطأ الحقيقي أن يتخذ الواحد منا لنفسه قناعاتٍ لا يحيد عنها، أو قراراتٍ لا تقبل المراجعة والتصحيح، وحينئذٍ لن يسلم في قراراته من هوى مطغٍ أو خطأ مهلك.

فالمشكلة الحقيقية ليست في التمسك بالرأي أو الدفاع عنه، بل الخطأ في الأهواء والمقاصد التي قد تُصاحب النقاش والحوار.

الخطأ الحقيقي هو أن أعتبر رأيي هو الصواب المطلق، ورأي غيري هو الخطأ المطلق.

الخطأ الحقيقي هو أن يُصاحب إبداء الآراء ووجهات النظر انتفاخ العروق، وحمرة الوجوه، وارتفاع الأصوات.

الخطأ الحقيقي أن تكون عودتي إلى الحق والصواب مشروطةً إما بالأخذ برأيي أو لا.

الخطأ الحقيقي أن يتحوَّل دفاعي عن رأيي إلى جدال ومراء لا طائل من ورائه إلا اختلاف العقول، وتنافر النفوس، وتبادل العداوة والكراهية.

الخطأ الحقيقي أن يكون دفاعي عن رأيي ليس للوصول للحقيقة، بل لإحراج الطرف الآخر والنيل منه.

(4)

التواضع الجمُّ الذي ظهر عليه الأخوان الحبيبان أبو بكر وعمر، فمكانة أبو بكر لم تمنعه من تقديم الاعتذار عندما شعر أنه كان الأظلمَ في تلك المشادَّة التي حدثت بينه وبين أخيه، بل ألحَّ عليه في طلب العفو والمسامحة، حتى إنه لم يكتفِ برفض عمر فاتبعه إلى بيته فكان من عمر ما كان من إغلاق الباب في وجهه.

وعمر عندما شعر بقسوته مع أخيه وراجع نفسه حمله تواضعه على المسارعة إلى بيت أبي بكر لتسوية الخلاف والتغافر فيما بينهما.

والحقيقة أن الإيمان الحي في القلوب كان وراء هذا التواضع وهذه الرغبة المتبادلة في المصالحة، فالدنيا لم تكن تشغل بالهم بقدر ما كانت الآخرة حاضرةً أمام ناظريهم في كل لحظة، وفي كل وقت، فواضحٌ من سياق الحديث أن أبا بكر يريد التحلُّل مما وقع فيه من ظلمٍ في حقِّ صاحبه، وحرص على ذلك بكل الطرق، "فسألته أن يغفر لي فأبى عليَّ"، وواضحٌ أيضًا من سياق الحديث أن أبا بكر ذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لا لشكوى عمر، بل للهمِّ الذي يسيطر عليه من رفض عمر للعفو عنه.

ونحن اليوم في أحيان كثيرة نسعى ونبذل ونضغط، وأحيانًا نرجو ونقبِّل الأيادي أن يرضى المخطئ بالاعتراف بخطئه والاعتذار عنه ورغم ذلك لا يحدث.

(5)

ميثاق الأخوَّة أقوى رغم الاختلاف الذي قد يحدُث بين الحين والآخر، فالحب المتأصِّل في قلب المتآخين لم يتغيَّر ولم يختلف نتيجة وجهات النظر المتباينة أو الاختلاف الحادث بينهما، ظهرت معالم هذا الحب وتمكنه في القلب حينما تمعَّر وجه النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى عمر غضبًا لأبي بكر؟

فأشفق أبو بكر على رفيق دربه، وصديق عمره، وحبيب قلبه، خاف أن يلحق به غضبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتحرَّك بعاطفته المملوءة بالحب لأخيه "فجثا على ركبتيه فقال: يا رسول الله، والله أنا كنت أظلم مرتين" فلم يفرح بتعاطف الرسول معه، ولم يستطل بوقفة الأمير والقاضي معه، إنه لا يريد التشفِّي أو الانتقام، إنه لا يريد إلا العفو والمسامحة.

وهي حقيقة لا بد أن تستقر في قلوب ونفوس ووجدان الإخوان المختلفين مهما كان الاختلاف، ومهما كانت ظروفه وملابساته؛ لأن الاختلاف إلى زوال، والأخوَّة هي الباقية.

(6)

ولا تنسوا الفضل بينكم.. وهي قاعدة لا بد من الأخذ بها ووضعها في الاعتبار، فليس مقبولاً بحال أن تنسينا أخطاء الآخرين فضلهم ومكانتهم وسبقهم وحسن عشرتهم، وليس من المعقول أن نلج في الخصومة حتى تصل إلى درجة العداوة، بل لا بد من التعقُّل، وأيُّ خلاف مهما كان عظيمًا فإن الحل مرجوٌّ، خاصةً إذا كان الاختلاف ليس في أمرٍ قطعيِّ الحرمة، فلا إنكار في مختلف فيه، فكلانا في هذه الحال يحمل جزءًا من الحق، وقد نلتقي ونتكامل متى خلصت النوايا وصدقت المقاصد، وستبقى المواقف والأحداث في نفوس كل منا قد نستطيع تجاوزها، وقد يبقى وخزها في الصدور.

(7)

قبول الأعذار من المخطئين أمرٌ له أهميته، وضرورةٌ ينبغي أن نعمِّقها بيننا؛ فهي من ناحيةٍ تشجيعٌ لمن أخطأ أن يعترف بخطئه ويسعى إلى إصلاحه ولا يخشى الآخرين، ومن ناحية أخرى فإن عدم قبول الأعذار فيه ظلمٌ للمخطئ، وماذا عساه أن يفعل وقد كان قدر الله سابقًا معه، وهو بشرٌ يُصيب ويُخطئ.. "كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون" (حسن، رواه الترمذي وأورده الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ح رقم 3139).

ولقد أنكر النبي صلى الله عليه وسلم على الفاروق رفضه اعتذار أخيه والعفو عنه، وقال ترضيةً لأبي بكر: "يغفر الله لك يا أبا بكر ثلاثًا".

ولم يُحقق فيما وقع من أبي بكر، وكأن الاعتذار والاعتراف بالخطأ بَجُبُّ الخطأ ويمحوه.

(8)

الوحدة أولى من التفرق على أي لوائح أو قوانين تنظم العمل، فاللوائح والقوانين وضعها البشر، وهي بالتأكيد تحتاج إلى تعديل وتطوير، والحركة الإسلامية وهي تؤدي دورها الدعوي لخدمة الإسلام هي بحاجة إلى وضع تلك اللوائح والقوانين التي تكفل انتظام العمل وإنجاحه، هذه اللوائح والقوانين لا يمكن أن تكون سببًا في الفرقة والتنازع، واختلاف القلوب والنفوس، فالملاحظ أن الاختلاف لم يكن قط حول أصل من أصول الدين المتفق عليها، بل كلها آراء واجتهادات ووجهات نظر حول طريقة العمل وأسلوبه، وغاية ما يُقال في كلا الأمرين أن أحدهما راجح والآخر مرجوح.

وهذا لا يستوجب أبدًا شقَّ الصف من أجله، أو الخروج من الجماعة أو على الجماعة لعدم أخذها برأيي، فالاعتصام بالجماعة والائتلاف فيما بينها من أصول الدين.

يقول ابن تيمية: "الاعتصام بالجماعة والائتلاف من أصول الدين، والفرع المتنازع فيه من الفروع الخفية، فكيف يُقدح في الأصل بحفظ الفرع؟" (الفتاوى).

(9)

يجب أن نكون في اختلافنا أكثر رقيًّا وقبولاً للرأي الآخر، دون تجريحٍ أو تشكيك، بل في أدب وعفة فأصل الاختلاف منشأه الوصول إلى الهدف والرأي السديد.

فكم كان النبي- صلى الله عليه وسلم- يستشير أصحابه ويستمع إلى آرائهم، وكانت وجهات النظر بينهم مختلفة ومتباينة في كثيرٍ من الأمور، غير أنهم لم يفترقوا، ولم يخرجوا من الصف.

فقد كان الاختلاف حول المضي في غزوة بدر، وكان الاختلاف في الموقف من أسرى بدر، وما لِيمَ أحدٌ على رأي أبداه أو موقف تبناه، وما تعصَّب منهم لأحد ولا تحزَّب، أو حاول كسب الأنصار وتعاطف المحيطين به، بل كان الحق غايتهم والمصلحة العامة هدفهم.

وقد يُقر النبي- صلى الله عليه وسلم- كلاًّ من المختلفين على رأيه الخاص دون أن يُبدي أي اعتراضٍ أو ترجيح، كما في مسألة أمره صلى الله عليه وسلم للصحابة بصلاة العصر في بني قريظة، فقد صلاها بعضهم في المدينة وبعضهم لم يُصلها إلا بعد صلاة العشاء.

وبعد النبي صلى الله عليه وسلم كانت هناك اختلافات.. حسمت أحيانًا كثيرة بالاتفاق، كما في اختلافهم حول الخليفة بعده صلى الله عليه وسلم، وحول قتال مانعي الزكاة، وحول جمع القرآن الكريم.

وتارةً يبقى الطرفان على موقفهما وهما في غاية الاحترام والتقدير لبعضهما، كما في قصة عائشة وابن عباس في رؤيته عليه الصلاة والسلام للباري جل وعلا، وكما في مسألة إرضاع الكبير بين ابن مسعود والأشعري، وأبو هريرة وابن عباس في الوضوء مما مسته النار، واختلاف عمر مع أبي عبيدة في دخول الأرض التي بها وباء.

(10)

وهناك مواقف من الرواد في مجال الاختلاف، عكست نضج الفكر، وإخلاص القلب، فهذه السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها تقول عن أحد الصحابة وقد اختلفت معه في مسألة: "أما إنه لم يكذب، ولكنه نسي أو أخطأ".

ويقول الشافعي رضي الله عنه: "ألا يستقيم أن نكون إخوانًا وإن لم نتفق في مسألة"، ويقول أيضًا: "ما ناظرتُ أحدًا إلا قلت اللهم اجرِ الحقَّ على قلبه ولسانه، فإن كان الحق معي اتبعني، وإذا كان الحق معه اتبعته".

وأنكر ابن مسعود على عثمان إتمام الصلاة في السفر ثم صلَّى خلفه متمًا، وقال الخلاف شر، وحينما أراد الخليفة العباسي حمل الناس على الموطأ، وهو كتاب مالك وخلاصة اختياره في الحديث والفقه، قال له مالك: "لا تفعل يا أمير المؤمنين"؛ مراعاةً لاجتهادات علماء وأئمة الأقطار الأخرى.

(11)

الشباب والشيوخ، الحرس القديم والحرس الحديث، الإصلاحيون والمحافظون، تقسيمات تظهر، ومصطلحات تُطلق على فريقين اختلفا حول أمور معينة أو أفكار متباينة أو وجهات نظر مختلفة، والسبب في ذلك خروج الاختلاف عن دوائره، فتدخل في إبداء الآراء مَن لا يعرف حقيقة الاختلاف، وتعاطف آخرون مع طرفٍ على حسابِ آخر إما لقناعةٍ برأي وإما تحزبًا لفئةٍ دون الأخرى.

هذا التحزب دفع البعض للمغالاة في تحليلاتهم، والتي وصل فيها الحد إلى دعوة أحد الفريقين إلى الخروج عن الصفِّ وإيهامه تصريحًا أو تلميحًا أنَّ له أتباعًا وأنصارًا سيقفون خلفه ويُساندونه في أفكاره ومبادئه، رغم أن فريقيّ الاختلاف أنفسهم ربما لم يفكروا في هذا أبدًا، ولستُ أدري كيف يُفكِّر مَن يطلب هذا الطلب الغريب الذي يُفرِّق ولا يُجمع؟؟!.

فبدلاً من بذل النصح والسعي للإصلاح بين الفريقين إذا بهم يزيدون من نار الفتنة، ويشعلون نارها كلما أوشكت على الانطفاء.

يحضرني الآن موقف في السيرة النبوية اختلف فيه فريقان، ينتمي كل منهما إلى مدرسة، وإذا أردنا تسمية المدرستين يمكننا وبسهولة ودون تكلف، وكما جاء في كتب السيرة أن نقول إنهما جيلان جيل الشباب وجيل الشيوخ، فلقد اختلف شباب الصحابة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حول الخروج لمقاتلة قريش خارج المدينة في غزوة أحد (كان هذا رأي الشباب) وبين مقاتلتهم داخل المدينة (وكان هذا رأي النبي صلى الله عليه وسلم ومعه كبار الصحابة).

إنهم متفقون على الأصل، وهو مقاتلة الغزاة ومحاربتهم، ولكنهم اختلفوا في الأسلوب والطريقة، تُرى ماذا لو أن الرسول صلى الله عليه وسلم رفض رأيهم وأصرَّ على مقاتلتهم داخل المدينة، هل كان ذلك سيكون سببًا وجيهًا لخروج شباب الصحابة عن الصفِّ ورفضهم للجهاد في سبيل الله، اللهم لا!!!.

بل إنَّ أدبهم الجم دفعهم أن يردوا الأمر ثانيةً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ خشيةَ أن يكونوا قد استكرهوا قائدهم، والأجمل من ذلك أن كبار الصحابة لمَّا قرر الرسول صلى الله عليه وسلم النزول إلى رأي الشباب لم نرَ تذمرًا أو تكتلاً باسم "شيوخ الصحابة" هدفه التشهير بالفريق الآخر، اللهم إلا الفريق المعروف بالنفاق، والذي انسحب من المعركة قبل أن تبدأ.

وهل كان من المقبول أن يخرج شيوخ الصحابة وكبارهم ويتركوا جهاد الكفار؛ لأن ذلك لم يكن رأيهم، اللهم لا!!!!

ورغم أن نتائج المعركة كانت قاسيةً إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يلُم أحدًا قط، ولم يَعزُ الهزيمة إلى الأخذ برأيهم، بل نزلت الآيات لتؤكد الشورى ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ (آل عمران: من الآية 159).

(12)

مسألة تقديس الأفراد والأشخاص قد تكون جزءًا من وصول الاختلاف إلى نقطة اللاعودة في كثيرٍ من الأحيان، فالشخص الذي يرتبط بآخر ويتعلق به، ويرسم له صورة أقرب للملائكية منها للبشرية تجعله يظن أن فلانًا لا يمكن أن يقع في خطأ أبدًا، حتى إذا حدث يومًا ثمة خطأ قامت الدنيا ولم تقعد.

أذكر أن أخوين كريمين حبيبين تربطهما علاقة تشبه في قوتها وشدة متانتها رباط الزوجية الذي لا ينفصم عراه إلا في أشدِّ الظروف وأعقدها، هذان الأخوان اختلفا يومًا واستوجب ذلك تدخل الوسطاء للمصالحة والتقريب بينهما، ولأن هذه العلاقة كان من المستحيل أن يشوبها يومًا ما ما يُعكر صفوها (هكذا كان يظن كل مَن يعرفهما)، فقد سمعتُ ممن يعرفهما يقول: "لقد كفرتُ بجميع العلاقاتِ بين الناس".

من هنا وجب تأكيد أن البشر هم البشر مهما كان ورعهم، ومهما كان إخلاصهم، ومهما كانت تقواهم وقربهم من الله، الخطأ منهم وارد، والوقوع في الزلل منهم متوقع، وهذا لا يُقلل من شأنهم، ولا ينتقص من قدرهم.

ومن الضرورة بمكان أن ينتبه أهل السبق والفضل أن الصغيرة منهم كبيرة، والقليل منهم كثير، وما يجوز من الآخرين ويُقبل منهم لا يجوز في حقهم ولا يُستساغ قبوله منهم، هكذا يُنظر إليهم من الآخرين، فليحذر الجميع أن يكونوا سببًا في فتنتهم.

(13)

ونختم هذا الموضوع بأن نكون في حال الاختلاف على قدر المسئولية، وأن نحكِّم عقولنا في كل ما نقول ونسمع، فلا نتناقل أخبارًا ونرددها دون توثيقها أو التأكد منها، فنشيع الفتنة ونزيد من مساحة الاختلاف القائم.

بل لا بد من التريث والصبر والدعاء، وإذا كان لنا من محاولةٍ فهي محاولة لتقريب وجهات النظر، والسعي لوحدة الصف، لا للتحيز مع طرفٍ على حساب الآخر.

كما أن على المختلفين أن يسمعوا لبعضهما بهدوء، وبعيدًا عن الضجيج الإعلامي الذي يعنيه في مقامه الأول السبق الصحفي، ونشر الأخبار الساخنة التي تُدر عليه ربحًا، فالإعلام ليس وسيطًا يُرجى من ورائه خير في مجال التقريب بين المختلفين أو الوصول إلى الرشد والصواب.

الحصار .. الحصار

شعار ترفعه حكومة مصر مع من يعارضها فاذا عارضها احد فى الداخل كالاخوان المسلمين حاصروهم بالسجون والاعتقالات واذا عارضهم خصومهم السياسيين حاصروهم بالمشكلات والانقلابات داخل الاحزاب وما حدث فى حزب الوفد والغد ليس ببعيد وها نحن امام معارضين من نوع اخر معارضين للاستسلام والظلم، معارضين للاحتلال، معارضين لانتهاك المقدسات الاسلاميه منها والمسيحيه ،معارضين لسقوط الاقصى فى ايدى اليهود، معارضين لان يركع شعبهم امام طغيان الاحتلال، معارضين لانتهاك الحريات على ارضهم ، فإذا بحكومتنا الغراء تفرض حصارا شديدا علي اهلنا فى غزه حصارا لم يعرفه التاريخ حصار اشد من خط بارليف العتيد فى زمانه فتقوم بأموال شعبها المستسلم ببناء جدار فاصل على الحدود المصريه الفلسطينيه يصل عمقه الى 18 متر بدعوى تامين الحدود والامن القومى واى امن يدعونه امن الجنود المصريين على الحدود الذين اطلق عليهم الرصاص من الدبابات الاسرائيليه ولم تحرك حكومتنا ساكنا واكتفت بقول العدو انها اصابة خاطئه او امن الحكومه التى تخشى ان تنتقل عدوى الديمقراطيه التى تتبعها حماس فى غزه او عدوى كرامة هذا الشعب الصامت المثابر رغم المحن التى تتوالى عليها من حرب عليه ليل نهار ومن تهديم لمنازله ومن تجويع لاطفاله ومع ذلك لا يركع ولا يستسلم ويستمسك بحبل الله المتين ويقف وراء قيادته مفتحرا انه لن يستطيع احد ان يهزمه .

اى امن تخافون ياساده انكم لا تخافون الا على امنكم انتم لا امن هذا الوطن العزيز علينا والذى نحميه بكل غال ورخيص ، ان فلسطين قطعه من ارضنا الاسلاميه لا يجب ان يفصلنا عنها شئ بل وجب عليكم ايها الحكام ان تسارعوا بفتح المعابر والطرق امام اخواننا المحاصرين لا ان تقفوا امامهم وتسدوا كل طريق اليهم .

ان امن مصر لا يكون الا بامن فلسطين فهى الحاميه لحدودنا ضد اى اختراق اسرئيلى ان اطماع اسرائيل الكبرى لازالت موجوده ومرسومه على الكنيست الاسرائيلى من النيل الى الفرات والذى يوقف هذا المخطط هم هؤلاء الرجال المجاهدون على ارض فلسطين فان هزم هؤلاء -ولن يكون ذلك ان شاء الله – كانت بوابة مصر مفتوحه امامهم

يا حكامنا افيقوا من ثباتكم الذى طال واصلحوا بينكم وبين شعوبكم وكونوا صفا واحدا امام عدونا الحقيقى الذى يرقد على الحدود ينتظر ساعة الصفر لكى يظفر بنا .

يا حكامنا ليس ابناء غزه هم الخطر عليكم بل انهم المدافعين عنكم فشعوبنا المسلمه كالجسد الواحد اذا اشتكى منهم عضو تداعى له سائر الاعضاء بالسهر والحمى .

يا حكامنا اننا نتطلع اليكم ان تكون نصرة هذا الدين على ايديكم، نتطلع ان يكون من بينكم من يحمل راية الجهاد ليحرر الاقصى، لا من يحمل راية الاستسلام والحصار لمن اراد ان يحرر الاقصى .

ويا كل صوت جرئ وحر فى هذا الوطن، يا كل صاحب منبر تخطب منه للناس، يا كل عالم يحمل راية الهدايه للعالمين، كونوا صفا واحد امام هذا الجدار اجعلوه فى كتابتكم ومنتدياتكم وفى صالونكم الثقافى وفى خطبكم ولنبدأ معا حملة اسقاط الحصار .

ابو حسام

الأحد، 24 يناير 2010

رسالة الأستاذ المرشد


الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات
فضيلة الأستاذ الدكتور محمد بديع




الإخوة الأعزاء والأخوات الفضليات.. سلام الله عليكم ورحمته وبركاته..
هذه رسالتي الأولى التي أوجِّهها إليكم من موقعي هذا الذي أوليتموني فيه ثقتكم، وجعلتموني أثقلكم حملاً؛ وإن كان قالها أبو بكر الصديق تواضعًا؛ فأنا أقولها حقيقة: "وُليت عليكم ولست بخيركم، أطيعوني ما أطعت الله فيكم".. والذي نتعلق به جميعًا هو الدعاء؛ فلعل ببركته نكون من الخيرين الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه: "خير أمرائكم الذين تدعون لهم ويدعون لكم".

كانت الشورى والمؤسسية والثقة محل اختبار رباني دقيق في نفوس الإخوة والأخوات على كل مستوياتهم.. فالشورى عندنا سورة من سور القرآن، وفريضة من فرائض الإسلام، وخلق وسلوك يحتاج إلى ممارسة وتطبيق على كل المستويات والآليات المستخدمة المستحدثة من استطلاعات الرأي والانتخابات في تداول لمواقع تحمُّل المسئولية.

وقد رأيتم النموذج الذي قدَّمه المرشد السابع الأستاذ محمد مهدى عاكف، يُبلور ذلك كله في موقف يعمق فيه هذه المفاهيم والمعاني، ويرد به على كل الأكاذيب والافتراءات عليه وعلى جماعتنا المباركة، فلم نرد على من يقولون إن الإخوان يطالبون بالديمقراطية؛ لتأتي بهم الانتخابات، فإذا ما جلسوا على الكراسي رفضوا أن ينزلوا عنها؛ لذا فهم غير صادقين في المطالبة بالديمقراطية، ولم نرد بمقالات ولم نُذع بيانات؛ فنحن قوم عمليون، وإذا بموقف واحد شامخ كهذا قذف الله به على الباطل فدمغه فإذا هو زاهق، وقد طاشت أماني أخرى كثيرة بأن الأحداث التي مضت ستزلزل أركان الجماعة، ويتصدع بنيانها، وظنوا بنا ظن السوء، والحمد لله كان ركن الثقة في القيادة، وفي وعد الله، وفي حفظ الله لهذه الجماعة، وفي سلامة المنهاج، وصحة الإجراءات؛ عاصمًا بفضل الله من الفتن، ومعالجًا للأخطاء، ومكملاً للنقص في ظل الحب في الله من غير أن يجرَّ ذلك للمراء المذموم والتعصب أو الانتصار للنفس أو اتباعٍ للهوى.

إذا كان هذا الذي رأيتم على مستوى قيادتكم في أمر من أعظم وأهم أمور الجماعة المباركة، كان هذا الأداء الراقي؛ فوجب علينا أن ننزل هذا على كل المستويات، ففي لقاء الأخوة المحدود في أسرهم تكون الشورى أحد أركان بناء الشخصية المسلمة المستقلة الحرة في إبداء الرأي، والنصح ابتغاء مرضاة الله، ولا يمكن أن يقوم أفراد لا يملكون حرية رأيهم بتحرير أوطانهم؛ فإن تحرير الأوطان من كل سلطان أجنبيٍّ عسكريٍّ أو سياسيٍّ أو اقتصاديٍّ أو فكريٍّ من أهم أهداف الإخوان، ولن يتم تحرير الأوطان إلا بتحرير الإنسان.. فلنبدأ بأنفسنا، ولنمارس الشورى على كل المستويات؛ لأنها تحتاج إلى تدريب وصبر على سماع الرأي الآخر، والنصيحة التي هي لب الدين، وهي لأئمة المسلمين قبل عامتهم.

هيا نُحقق تجديد الدم بتدريب القيادات وتحميلها المستويات ليليني منكم أولو الأحلام والنهى، الصف الأول ثم الذين يلونهم، الصف الثاني ثم الذين يلونهم، إعداد ثلاثة صفوف ردائف للقياد؛ فإن إعداد الصبي المميز بحكم شرعي خاص يجيز له الإمامة في الصلاة، وهو لم يكلف بعد لفت الأنظار إلى أن إعداد القادة بالعبادة هدف يجب أن نضع له الإجراءات "كونوا عبادًا قبل أن تكونوا قوادًا، تصل بكم العبادة إلى أفضل قيادة" كما يقول الأستاذ البنا رحمه الله؛ لأن هناك من يتصور أن الاستقرار لا يتحقق إلا بالجمود وعدم التغيير؛ بينما الجسم الصحيح المعافى هو الذي تجري فيه الدماء وتتجدد فيه الخلايا، أما توقف الدم عن الجريان وتوقف الخلايا عن النشاط؛ فليس هذا استقرارًا، إنما هو مرض الموت والعياذ بالله.

ها هي جماعتكم بفضل الله ومنته خرجت مما كان أكثر عافية وأشد قوة وأمضى عزمًا على الانطلاق في نفس الطريق، وعلى نفس الثوابت والقيم التي استقاها مؤسسها الإمام حسن البنا رحمه الله بالقرآن والسنة، وسقاها الأئمة المرشدون السابقون، وضحَّى الصابرون والصابرات من أبناء الجماعة وبناتها بكل ما يملكون؛ لتبقى دعوة الله مرفوعة الراية، عزيزة الجانب، تنشر الخير في ربوع البلاد ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِوَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (المنافقون: من الآية 8) والله أكبر أمام كل الصعاب.. ولله الحمد على كل حال وفي كل حال... والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


رسالة من: أ. د. محمد بديع المرشد العام للإخوان المسلمين

الرسالة الثالثة للأحباب



فضيلة الشيخ محمد عبد الله الخطيب
بقلم الشيخ: محمد عبد الله الخطيب


الدعوة إلى الله.. بين القول والعمل والمدارسة والممارسة
يُدرك المؤمن الحق أن من طبيعة الإسلام ومن عظمة منهجه أنه قولٌ وعملٌ، فالإيمان نطقٌ باللسان وتصديقٌ بالجنان وعملٌ بالأركان، وهذا هو مدلول الشهادتين، ولا يكون إسلامنا نظريًّا، فالإسلام النظري يختلف تمامًا عن الإسلام الذي استقرَّ في القلب، وسكن بين الجوانح، وأصبح يحرِّك الإنسان لجميع الطاعات بشوق وحب واشتياق، كل ذلك تطلعًا لا إلى دنيا ولا إلى مراتب دنيوية ومكاسب مادية، لكنه تطلُّعٌ فوق ذلك، تطلُّعٌ إلى جنة عرضها السماوات والأرض أُعدت للمتقين، تطلُّعٌ إلى مقامات عليا وأهداف سامية ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77)﴾ (القصص).

تعلَّمنا هذا وغيره الكثير من هذه الدعوة المباركة، دعوة الإسلام في القرن العشرين، ومن قائدها ومربيها الإمام البنا، ومن جاء من بعده من تلاميذه وأتباعه الذين حملوا الراية، وحافظوا عليها وما زالوا يحملونها جيلاً بعد جيل؛ حتى يرث الله الأرض ومن عليها إن شاء الله.

وتعلمنا من القرآن الكريم أن الأمة الإسلامية كلَّها من أولها إلى آخرها ومن صغيرها إلى كبيرها لا غنى لها عن هذا الدين، فلا تستطيع أن تحيا بدونه، ولا أن تعيش بغيره، وهي في المقام الكبير السامي العظيم حين تلبس هذا الثوب الرباني الذي يشرفها بين الأمم، ويجعلها شاهدةً عليها وقائدةً لها قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (البقرة: من الآية 143).

هذه الشهادة وهذه القيادة تستحقها هذه الأمة وهي تحمل الراية، فإذا تخلَّت عنها فقدت مكانتها وصارت ذيلاً بين أمم الأرض، قال تعالى:﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ وَللهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ (41)﴾ (الحج)، وقال فيها:﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمْ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمْ الْفَاسِقُونَ (110)﴾ (آل عمران).  وقال الله للأمة الإسلامية كلها أنتم صمام الأمن، بوجودكم تحفظ الأمة كلها بأمر الله عزَّ وجلَّ، قال تعالى بصراحة ووضوح وإنذار يُوقظ النائم ويهتزُّ له الوجدان خوفًا من هذه العواقب التي ينبغي على الجميع من علماء ومربِّين أن يعوها، وأن يذكَروا بها في كلِّ مكان قال تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا (77)﴾ (الفرقان).

ولقد كانت هذه الآيات وأمثالها- وما زالت- تعزيةً للمؤمنين، ومسحًا على صدورهم عمَّا يلاقونه وينزل بهم من عنتٍ وإرهاقٍ، وما يدبَّر لهم من افتراءٍ وكيدٍ لا مبرِّر له أبدًا، ولا مكان له؛ فالإمام البنا رحمه الله كان يقول بكل صراحة وصدق: "لو أعلم أن لي دعوةً مستجابةً عند الله لدعوتها لفاروق، فإن بصلاحه سيصلح خلق كثير".

ولطالما نصح الإخوان وكل غيور على هذه الأمة قديمًا وحديثًا النصيحة الخالصة لوجه الله؛ للكبير والصغير والحاكم والمحكموم والغني والفقير؛ لأنهم يُحبون الجميع، ويشفقون على الجميع، ويتمنَّون لهم مستقبلاً كريمًا، وحياةً طيبةً في ظلِّ طاعة الله.

فما قيمة هذه الملايين وما ميزانها عند الله إن لم تكن طائعةً له مستجيبةً لأمره خاشعةً بين يديه؟ ما قيمة هؤلاء جميعًا لولا القلة المؤمنة المطاردة، وكل من كان على دربها من الصالحين والأبرار من روَّاد بيوت الله التالين لكتاب الله الصادقين مع ربهم، التي تدعو ربها آناء الليل وأطراف النار أن يرفع مقته ويرحم الجميع، جاء في الأثر: "لولا شيوخ ركع، وأطفال رضع، وبهائم رتَّع؛ لصُبَّ عليكم العذاب صبًّا"، وورد أن الدعاء ينفع مما نزل وما لم ينزل، وأن الدعاء يلتقي بالقضاء بين السماء والأرض فيعتلجان- يتدافعان- إلى يوم القيامة؛ القضاء نازل والدعاء صاعد إلى أن تقوم الساعة.

ما هي هذه الأرض؟ وما هذا الكون من أوله إلى آخره؟ الذي يضمُّ البشرية جميعًا، ما هؤلاء جميعًا وغيرهم إلا في ميزان الله.. كل هؤلاء عند الله إن هم إلا صفحة واحدة في كتاب ضخم لا يعلم عدد صفحاته إلا الله سبحانه وتعالى.

وإن الإنسان مع هذا الوجود المحدود والعمر المعدود والطاقات الهزيلة لينتفخ وينتعش ويتضاءل ويعربد وينسى أنه ذرة في هذا الكون الهائل؛ حتى إنه ليخالف أمر من خلقه وسوَّاه وصنعه وربَّاه ورزقه واجتباه وعلَّمه ما لم يكن يعلم.

من أنت أيها الضعيف؟ أيها الهيِّن.. من تكون؟ من الذي يشفيك إذا مرضت؟ من الذي يغنيك إذا افتقرت؟ من الذي يعلمك إذا جهلت؟ من الذي يربيك؟ من الذي تعهَّدك في بطن أمك؟ قال المعترفون بفضل الله من أنبياء الله ورسله قالوا لنا هذه الحقيقة قال تعالى على لسان سيدنا إبراهيم عليه السلام ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (81)﴾(الشعراء).

هذا الضعف وهذه الحاجة التي ذكرناها تظل هي كيانه كله حتى يتصل بربه، وحتى يعرف طريقه إلى الله، وحتى يكون من الطائعين له الخائفين منه الراجين لرحمته، وعندئذٍ يكون شيئًا في ميزان الله، وقد يرجح ملائكة الرحمن في هذا الميزان، فضلاً عن الله وحده ونعمه الذي كرمه، وأسجد له ملائكته، وسخَّر له ما في هذا الكون.

أيها الأحباب.. إن الله عزَّ وجلَّ حين يقول لنا معاتبًا ومعلمًا ومبينًا لحقيقة كبرى من الحقائق- رغم أن الذي حدث كان من طائفة من المؤمنين- وهو قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ (3)﴾ (الصف).  فإنه سبحانه يدلُّنا في حسم وحزم على أن حياة الدعوة إلى الله لا تكون إلا بالعمل، فالعمل وحده يرسي قواعدها، ويُظهر كيانها، ويفرض وجودها.

إن الأمر وهو القول الأجوف والدعاوى العريضة بلا عمل ولا تطبيق ولا التزام، أمورٌ يكرهها الله أشدَّ الكره، ويمقتها ويمقت أهلها الذين لا يستحيون من الله ولا يخافون من بأسه- كلام كثير وأصوات عالية وطنين لهذه الأصوات يصمُّ الأذان- طبول تدقُّ هنا وهناك.. ثم لا شيء، لا أثر ولا نتيجة تُذكر أو ثمر يظهر.. هل هذه حياة يقبلها المؤمن أو يرضى عن نفسه أن يكون في هذا الموقف والله تعالى يقول لنا: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (الحديد: من الآية4) ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16)﴾ (ق).

أهكذا يكون حمل الأمانة وإبلاغ الرسالة، لقد قالت السيدة خديجة لرسول الله صلى الله عليه وسلم حينما نزلت عليه سورة المزمل تدعوه إلى الراحة والنوم فقال لها: "مضى عهد النوم يا خديجة" فقام صلى الله عليه وسلم ثلاثة وعشرين عامًا ما عرف النوم ولا عرف القعود، بل الدعوة والجهاد والغزوات؛ ما أذى أحدًا ولا أساء إلى مخلوق، بل أحسن إلى الجميع حتى إلى من أساءوا إليه، ثم في آخر لحظة من لحظات حياته صعد المنبر، وقال: "أيها الناس.. من كنت جلدت له ظهرًا فهذا ظهري فليجلده.. ومن كنت أخذت منه مالاً فهذا مالي فليأخذ منه.. ومن كنت شتمت له عرضًا فهذا عرضي فليشتمه.. ولا يخشى الشحناء، فإنها ليست من قِبلي".

وظل على هذه الصورة ثلاثة أيام كل يوم يصعد على المنبر ويردد هذه الكلمات.

سيدي يا حبيب الله، أنت حميت الظهور، وصُنت الأموال والأعراض، وحفظت الإنسان وكرامته حيًّا وميتًا رضي الله عنك، ومتعنا بالنظر إلى وجهك الكريم يوم القيامة في الفردوس الأعلى.. اللهم آمين.. اللهم آمين.. اللهم آمين.
--------
* من علماء الأزهر الشريف.

الحقوق محفوظة لـ - مدونة المرايا المستوية | الإخوان المسلمون